الفوائد

وإذا تجلى بصفات العزِّ والكبرياء أعطتْ نفسُه المطمئنةُ ما وصلتْ إليه من الذُّلِّ لعظمته، والانكسار لعزَّته، والخضوع لكبريائه، وخشوع القلب والجوارح له، فتعلوه السكينةُ والوقارُ في قلبه ولسانه وجوارحه وسمتِهِ، ويَذهبُ طيشُه وتَوْقُه وحدَّتُهُ.

وجِماعُ ذلك أنه سبحانه يَتعرَّفُ إلى العبد بصفاتِ إلهيَّتِه تارةً وبصفاتِ ربوبيَّتِه تارةً:

فيُوجِب له شهودُ صفاتِ الإلهية: المحبةَ الخاصة، والشوقَ إلى لقائه، والأنس والفرح به، والسرور بخدمته، والمنافسة في قربه، والتودُّد إليه بطاعته، واللَّهَجَ بذكره، والفرار من الخلق إليه، ويصيرُ هو وحدَه همَّهُ دون ما سواه.

ويُوجِب له شهودُ صفاتِ الربوبيَّة: التوكلَ عليه، والافتقارَ إليه، والاستعانة به، والذُّلَّ والخضوع والانكسار له.

وكمالُ ذلك أن يشهد ربوبيَّتَهُ في إلهيَّتِهِ، وإلهيَّتَهُ في ربوبيَّتِهِ، وحمده في ملكِهِ، وعزَّه في عفوهِ، وحكمته في قضائه وقدره، ونعمته في بلائه، وعطاءه في منعه، وبرَّهُ ولطفه وإحسانه ورحمته في قيُّومِيَّتِهِ، وعدلهُ في انتقامه، وجودَهُ وكرمهُ في مغفرته وسترِهِ وتجاوزِهِ، ويشهد حكمتَه ونعمته في أمره ونهيه، وعزَّهُ في رضاهُ وغضبه، وحلمهُ في إمهالِهِ، وكرمه في إقباله، وغناه في إعراضه.

وأنت إذا تدبَّرتَ القرآن وأجَرتَهُ من التحريف وأن تقضي عليه بآراء المتكلمين وأفكار المتكلِّفين؛ أشهدَك مَلِكًا قيُّومًا فوق سماواته، على عرشه، يُدبِّرُ أمرَ عباده، يأمرُ وينهى، ويُرسِلُ الرسل وينزلُ الكتب، ويرضى ويغضبُ، ويُثيبُ ويُعاقبُ، ويُعطي ويَمنعُ، ويُعزُّ ويُذِلُّ،

100

ويَخفِضُ ويَرفع، يرى من فوق سبعٍ ويسمع، ويعلم السِّرَّ والعلانية، فعَالٌ لما يريدُ، موصوفٌ بكلِّ كمال، منزَّهٌ عن كلِّ عيبٍ، لا تتحرَّكُ ذرَّةٌ فما فوقها إلا بإذنه، ولا تسقطُ ورقةٌ إلا بعلمه، ولا يَشفعُ أحدٌ عنده إلَّا بإذنِهِ، ليس لعباده من دونه وليٌّ ولا شفيعٌ.

فصل

لما بايعَ الرسولُ ﷺ أهلَ العقبةِ١ أمرَ أصحابَه بالهجرة إلى المدينة، فعلمتْ قريشٌ أنَّ أصحابهُ قد كَثُروا وأنَّهم سيمنعونه، فأَعملتْ آراءها في استخراج الحيل؛ فمنهم من رأى الحبس، ومنهم من رأى النفي، ثم اجتمع رأيُهم على القتل.

فجاء البريدُ بالخبر من السماء، وأمره أن يُفارِقَ المضجعَ، فبات عليٌّ مكانَه٢، ونهضَ الصِّدِّيقُ لرفقة السَّفَرِ.

فلمَّا فارقا بيوتَ مكَّةَ اشتدَّ الحَذَرُ بالصِّدِّيق، فجعل يذكُرُ الرَّصدَ فيسيرُ أمامه، وتارةً يذكُرُ الطلَب فيتأخَّرُ وراءه، وتارةً عن يمينِه، وتارةً عن شماله، إلى أن انتهيا إلى الغار.

فبدأ الصدِّيقُ بدخولِهِ ليكون وقايةً له إنْ كان ثَمَّ مُؤذٍ، وأنْبَتَ الله شجرةً لم تكن قبلُ، فأظلَّت المطلوب وأضلَّت الطالب، وجاءتْ عنكبوتٌ فحاذَتْ وجهَ الغار فحاكتْ ثوبَ نَسْجِها على منوال السِّتْرِ، فأُحْكِمَت الشُّقَّةُ حتى عُمِّيَ على القائفِ الطلبُ، وأرسل الله حمامتين

  1. (١) هذه بيعة العقبة الثانية، وخبرها في مسند أحمد (٣/ ٣٢٢) وسيرة ابن هشام (٢/ ٤١) والبداية والنهاية (٣/ ٦٠).
  2. (٢) كما في قصة الهجرة التي أخرجها أحمد (١/ ٣٤٨) عن ابن عباس.
101

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي