ويَخفِضُ ويَرفع، يرى من فوق سبعٍ ويسمع، ويعلم السِّرَّ والعلانية، فعَالٌ لما يريدُ، موصوفٌ بكلِّ كمال، منزَّهٌ عن كلِّ عيبٍ، لا تتحرَّكُ ذرَّةٌ فما فوقها إلا بإذنه، ولا تسقطُ ورقةٌ إلا بعلمه، ولا يَشفعُ أحدٌ عنده إلَّا بإذنِهِ، ليس لعباده من دونه وليٌّ ولا شفيعٌ.
فصل
لما بايعَ الرسولُ ﷺ أهلَ العقبةِ١ أمرَ أصحابَه بالهجرة إلى المدينة، فعلمتْ قريشٌ أنَّ أصحابهُ قد كَثُروا وأنَّهم سيمنعونه، فأَعملتْ آراءها في استخراج الحيل؛ فمنهم من رأى الحبس، ومنهم من رأى النفي، ثم اجتمع رأيُهم على القتل.
فجاء البريدُ بالخبر من السماء، وأمره أن يُفارِقَ المضجعَ، فبات عليٌّ مكانَه٢، ونهضَ الصِّدِّيقُ لرفقة السَّفَرِ.
فلمَّا فارقا بيوتَ مكَّةَ اشتدَّ الحَذَرُ بالصِّدِّيق، فجعل يذكُرُ الرَّصدَ فيسيرُ أمامه، وتارةً يذكُرُ الطلَب فيتأخَّرُ وراءه، وتارةً عن يمينِه، وتارةً عن شماله، إلى أن انتهيا إلى الغار.
فبدأ الصدِّيقُ بدخولِهِ ليكون وقايةً له إنْ كان ثَمَّ مُؤذٍ، وأنْبَتَ الله شجرةً لم تكن قبلُ، فأظلَّت المطلوب وأضلَّت الطالب، وجاءتْ عنكبوتٌ فحاذَتْ وجهَ الغار فحاكتْ ثوبَ نَسْجِها على منوال السِّتْرِ، فأُحْكِمَت الشُّقَّةُ حتى عُمِّيَ على القائفِ الطلبُ، وأرسل الله حمامتين
(١) هذه بيعة العقبة الثانية، وخبرها في مسند أحمد (٣/ ٣٢٢) وسيرة ابن هشام (٢/ ٤١) والبداية والنهاية (٣/ ٦٠).
(٢) كما في قصة الهجرة التي أخرجها أحمد (١/ ٣٤٨) عن ابن عباس.
فاتَّخَذَتا هناك عُشًّا جعل على أبصار الطالبين غِشاوةً١، وهذا أبلغُ في الإعجاز من مقاومة القوم بالجنود.
فلمَّا وقف القومُ على رؤوسهم، وصار كلامُهم بسَمْعِ الرسول ﷺ والصِّدِّيق؛ قال الصِّدِّيقُ وقد اشتدَّ به القلقُ: يا رسول الله! لَو أنَّ أحدَهم نظرَ إلى ما تحتَ قدميه لأبصَرنَا تحتَ قدمَيْهِ. فقال رسول الله ﷺ: "يا أبا بكر! ما ظنُّك باثنينِ اللهُ ثالثُهُما؟ "٢.
لما رأى الرسول حزنَه قد اشتدَّ -لكن لا على نفسه- قَوَّى قلبَه ببشارة ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾[التوبة: ٤٠]، فظهَر سِرُّ هذا الاقترانِ في المعيَّة لفظًا كما ظهر حكمًا ومعنى؛ إذ يُقالُ: رسول الله وصاحبُ رسول الله، فلما مات قيل: خليفةُ رسولِ الله، ثمَّ انقطعتْ إضافةُ الخلافةِ بموته، فقيل: أميرُ المؤمنين٣.
فأقاما في الغار ثلاثًا، ثم خرجا منه ولسانُ القدرِ يقولُ: لتدخُلنَّها دُخولًا لم يَدْخُله أحدٌ قبلك ولا ينبغي لأحدٍ من بعدك.
فلما استقلَّا على البيداء لَحِقَهما سُراقةُ بن مالك، فلما شارفَ الظفَر أرسل عليه الرسولُ ﷺ سهمًا من سِهام الدُّعاء، فساخَتْ قوائمُ فرسِه في الأرض إلى بطنها٤، فلما علم أنه لا سبيلَ له عليهما أخذ
(١) الخبر الوارد في ذلك لا يصح، وقد أخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٢٢٩) والبزار في مسنده (كما في مجمع الزوائد ٦/ ٥٦) والطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ ٤٤٣). قال ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ١٨١): غريب جدا.
(٢) أخرجه البخاري (٣٦٥٣) ومسلم (٢٣٨١) عن أبي بكر.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٧٩).
(٤) أخرجه البخاري (٣٩٠٨) ومسلم (٢٠٠٩) عن البراء بن عازب).