فاتَّخَذَتا هناك عُشًّا جعل على أبصار الطالبين غِشاوةً١، وهذا أبلغُ في الإعجاز من مقاومة القوم بالجنود.
فلمَّا وقف القومُ على رؤوسهم، وصار كلامُهم بسَمْعِ الرسول ﷺ والصِّدِّيق؛ قال الصِّدِّيقُ وقد اشتدَّ به القلقُ: يا رسول الله! لَو أنَّ أحدَهم نظرَ إلى ما تحتَ قدميه لأبصَرنَا تحتَ قدمَيْهِ. فقال رسول الله ﷺ: "يا أبا بكر! ما ظنُّك باثنينِ اللهُ ثالثُهُما؟ "٢.
لما رأى الرسول حزنَه قد اشتدَّ -لكن لا على نفسه- قَوَّى قلبَه ببشارة ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾[التوبة: ٤٠]، فظهَر سِرُّ هذا الاقترانِ في المعيَّة لفظًا كما ظهر حكمًا ومعنى؛ إذ يُقالُ: رسول الله وصاحبُ رسول الله، فلما مات قيل: خليفةُ رسولِ الله، ثمَّ انقطعتْ إضافةُ الخلافةِ بموته، فقيل: أميرُ المؤمنين٣.
فأقاما في الغار ثلاثًا، ثم خرجا منه ولسانُ القدرِ يقولُ: لتدخُلنَّها دُخولًا لم يَدْخُله أحدٌ قبلك ولا ينبغي لأحدٍ من بعدك.
فلما استقلَّا على البيداء لَحِقَهما سُراقةُ بن مالك، فلما شارفَ الظفَر أرسل عليه الرسولُ ﷺ سهمًا من سِهام الدُّعاء، فساخَتْ قوائمُ فرسِه في الأرض إلى بطنها٤، فلما علم أنه لا سبيلَ له عليهما أخذ
(١) الخبر الوارد في ذلك لا يصح، وقد أخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٢٢٩) والبزار في مسنده (كما في مجمع الزوائد ٦/ ٥٦) والطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ ٤٤٣). قال ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ١٨١): غريب جدا.
(٢) أخرجه البخاري (٣٦٥٣) ومسلم (٢٣٨١) عن أبي بكر.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٧٩).
(٤) أخرجه البخاري (٣٩٠٨) ومسلم (٢٠٠٩) عن البراء بن عازب).
يَعرِضُ المال على من قد ردَّ مفاتيح الكنوز، ويُقدِّم الزادَ إلى شبعان، "أبيتُ عند ربِّي يُطعِمُني ويَسقِيني"١.
كانت تحفةُ ﴿ثَانِيَ اثْنَينِ﴾[التوبة: ٤٠] مُدَّخرةً للصديق دونَ الجميع؛ فهو الثاني في الإسلام وفي بذل النفس وفي الزُّهد وفي الصُّحبة وفي الخلافة وفي العمر وفي سبب الموت؛ لأنَّ الرسول ﷺ مات عن أثر السُّمِّ٢، وأبو بكر سُمَّ فمات٣.
أسلمَ على يديه من العشرة عثمان وطلحة والزُّبير وعبدُ الرحمن بن عوف وسعدُ بن أبي وقَّاص.
وكان عنده يوم أسلم أربعون٤ ألف درهم، فأنفقَها أحوجَ ما كان الإسلامُ إليها؛ فلهذا جَلبتْ نفقتُهُ عليه: "ما نفعني مالٌ ما نفعني مالُ أبي بكر"٥.
فهو خيرٌ من مؤمن آل فرعون؛ لأنَّ ذلك كان يكتُمُ إيمانَه والصديقُ أعلنَ به، وخيرٌ من مؤمن آل ياسينَ؛ لأنَّ ذلك جاهدَ ساعةً والصديقُ جاهدَ سنين.
عاينَ طائرَ الفاقةِ يَحُومُ حولَ حبِّ الإيثار ويَصيح ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾[البقرة: ٢٤٥]، فألقى له حبَّ المال على روض الرِّضى، واستلقى على فراش الفقر، فنقلَ الطائرُ الحبَّ إلى حَوصلةِ المضاعفة،
(١) أخرجه البخاري (١٩٦٥) ومسلم (١١٠٣) عن أبي هريرة.
(٢) كما ذكره البخاري (٤٤٢٨) تعليقًا عن عائشة.
(٣) انظر طبقات ابن سعد (٣/ ١٩٨) ومستدرك الحاكم (٣/ ٥٩).
(٤) في الأصل: "أربعين".
(٥) أخرجه أحمد (٢/ ٢٥٣) وابن ماجه (٩٤) من حديث أبي هريرة. وهو صحيح.