الفوائد

وتارةً يكونُ من جهة متكلِّمٍ به أو كونِه مخلوقًا من بعض مخلوقاته ألهمَ غيرَهُ أن تكلَّم به.

وتارةً يكون من جهة كفايتِه وعدمِها، وأنَّه لا يَكفي العبادَ، بل هم محتاجون معه إلى المعقولات أو الأقيسة أو الآراء أو السياسات.

وتارةً يكونُ من جهة دلالته وهل١ أُرِيدَ به: حقائقُهُ المفهومةُ منه عند الخطاب؟ أو أُرِيدَ به تأويلُها وإخراجُها عن حقائقها إلى تأويلاتٍ مُستكْرَهةٍ مشتركةٍ؟!

وتارةً يكونُ من جهة كون تلك الحقائق، وإن كانت مرادةً فهي ثابتةٌ في نفس الأمر؟ أو أوْهمَ أنَّها مرادةٌ لضربٍ من المصلحة؟!

فكلُّ هؤلاء في صدورهم حرجٌ من القرآن، وهم يَعلَمون ذلك من نفوسهم، ويَجِدُونه في صدورهم.

ولا تجدُ مبتدعًا في دينه قطُّ إلَّا وفي قلبه حرجٌ من الآيات التي تُخالِفُ بدعتَهُ؛ كما أنك لا تجدُ ظالمًا فاجرًا إلَّا وفي صدرِه حرجٌ من الآيات التي تَحُولُ بينه وبين إرادته.

فتدبَّرْ هذا المعنى ثم ارْضَ لنفسِكَ بما تشاءُ.

فائدة

كمالُ النفس المطلوبُ ما تضمَّن أمرين:

أحدُهما: أن يَصيرَ هيئةً راسخةً وصفةً لازمةً لها.

الثاني: أن يكون صفةَ كمالٍ في نفسه.

  1. (١) في الأصل: "وما".
119

فإذا لم يكن كذلك لم يكنْ كمالًا؛ فلا يليقُ بمن يَسعَى في كمال نفسه المنافسةُ عليه، ولا الأسفُ على فوْتِهِ.

وذلك ليس إلا معرفة بارئِها وفاطرِها ومعبودِها وإلهِها الحقِّ الذي لا صلاحَ لها ولا نعيمَ ولا لذَّةَ إلَّا بمعرفته وإرادةِ وجهه وسلوكِ الطريقِ الموصلةِ إليه وإلى رضاهُ وكرامته، وأن تعتادَ ذلك فيصيرَ لها هيئةً راسخةً لازمة.

وما عدا ذلك من العلوم والإرادات والأعمال؛ فهي بينَ ما لا يَنفعُها ولا يُكمِّلُها وما يَعُودُ بضررها ونقصِها وألمِها، ولا سيَّما إذا صار هيئةً راسخةً لها؛ فإنَّها تُعَذَّبُ وتتألَّمُ به بحسب لزومهِ لها.

وأما الفضائلُ المنفصلةُ عنها كالملابس والمراكب والمساكن والجاه والمال؛ فتلك في الحقيقة عَوَارٍ أُعِيرَتْها مدةً، ثم يَرجعُ فيها المُعِيرُ، فتتألَّمُ وتَتعذَّبُ برجوعه فيها بحسب تعلُّقِها بها، ولا سيَّما إذا كانت هي غايةَ كمالِها؛ فإذا سُلِبَتْها أُحْضِرتْ أعظم النقص والألم والحسرةِ.

فليَتَدبَّرْ من يُرِيدُ سعادَة نفسه ولذَّتَها هذه النُّكْتَة؛ فأكثرُ هذا الخلقِ إنما يَسْعَون في حرمانِ نفوسهم وألمِها وحسرتها ونقصها من حيث يظنُّون أنَّهم يُريدون سعادتَها ونعيمَها؛ فلذَّتُها بحسبِ ما حصلَ لها من تلك المعرفة والمحبة والسلوك، وألمُها وحسرتُها بحسبِ ما فاتَها من ذلك.

ومتى عَدِمَ ذلك وخَلَا منه؛ لم يَبْقَ فيه إلّا القوى البدنيَّةُ النفسانيَّةُ التي بها يَأكلُ ويَشربُ ويَنكِحُ ويَغضَبُ ويَنالُ سائر لذَّاته ومرافقَ حياته ولا يَلحَقُهُ من جهتها شَرَفٌ ولا فضيلةٌ بل خَساسةٌ ومَنقصةٌ؛ إذا كان إنما يُناسِب بتلك القوى البهائمَ ويَتَّصلُ بجنسها ويَدخُل في جملتها ويَصِيرُ كأحدها، وربما زادتْ في تناولها عليه واختصَّتْ دونَه بسلامةِ عاقبتها والأمن من جَلْبِ الضررِ عليها.

120

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي