الفوائد

وأمَّا العمل١ فآفتُهُ عدمُ مطابقته لمراد الله الدينيِّ الذي يُحبُّه الله ويرضاهُ، وذلك يكون من فساد العلم تارةً، ومن فساد الإرادة تارةً:

ففسادُهُ من جهة العلم: أن يعتقد أن هذا مشروع محبوبٌ لله وليس كذلك، أو يعتقد أنَّه يُقرِّبُه إلى الله وإن لم يكن مشروعًا، فيَظُنَّ أنه يَتقرَّبُ إلى الله بهذا العمل وإنْ لم يَعلمْ أنَّه مشروعٌ.

وأمَّا فسادُهُ من جهة القصد فأنْ لا يَقصِدَ به وجهَ الله والدارَ الآخرة، بل يَقصد به الدُّنيا والخلْق.

وهاتان الآفتان في العلم والعمل لا سبيلَ إلى السلامة منهما إلا بمعرفة ما جاء به الرسول في باب العلم والمعرفة، وإرادةِ وجه الله والدار الآخرة في باب القصد والإرادة؛ فمتى خلا من هذه المعرفة وهذه الإرادة فسدَ علمُهُ وعملُهُ.

والإيمانُ واليقين يُورِثان صحةَ المعرفة وصحةَ الإرادة، وهما يُورِثان الإيمانَ ويُمِدَّانه.

ومن هنا يتبيَّنُ انحرافُ أكثر الناس عن الإيمان لانحرافهم عن صحة المعرفة وصحة الإرادة.

ولا يَتِمُّ الإيمانُ إلا بتلقِّي المعرفة من مشكاة النُّبُوَّة وتجريدِ الإرادة عن شوائب الهوى وإرادةِ الخلق، فيكون علمه مقتبسًا من مشكاة الوحي وإرادتُهُ لله والدار الآخرة؛ فهذا أصحُّ الناس علمًا وعملًا، وهو من الأئمة الذين يَهدُون بأمر الله ومن خلفاء رسوله ﷺ في أمَّتِهِ.

  1. (١) في الأصل: "العلم".
123

قاعدة

الإيمانُ له ظاهرٌ وباطنٌ: وظاهرُهُ قولُ اللسان وعملُ الجوارح، وباطنه تصديق القلب وانقيادُهُ ومحبتُهُ.

فلا يَنفعُ ظاهرٌ لا باطنَ له، وإن حقَنَ به الدِّماء وعصَمَ به المال والذُّرِّيَّةَ.

ولا يُجزِئُ باطنٌ لا ظاهرَ له إلّا إذا تعذَّرَ بعجزٍ أو إكراهٍ وخوفِ هلاكٍ.

فتخلُّفُ العملِ ظاهرًا مع عدم المانع دليلٌ على فساد الباطن وخُلُوِّه من الإيمان، ونقصُهُ دليلُ نقصِه، وقوَّتُهُ دليلُ قوَّتِهِ.

فالإيمانُ قلبُ الإسلام ولُبُّه، واليقينُ قلبُ الإيمانِ ولبُّه.

وكلُّ علم وعمل لا يَزيدُ الإيمانَ واليقينَ قوةً فمدخولٌ، وكلُّ إيمانٍ لا يَبعثُ على العمل فمدخولٌ.

قاعدة

التوكُّلُ على الله نوعان:

أحدُهما: توكُلٌ عليه في جَلْبِ حوائج العبد وحظوظِه الدُّنيويَّةِ أو دَفْعِ مكروهاتِهِ ومصائبه الدُّنيويَّةِ.

والثاني: التوكُّل عليه في حصول ما يُحِبُّه هو ويَرضاهُ من الإيمان واليقين والجهادِ والدعوة إليه.

وبين النوعين من الفضل ما لا يُحْصِيه إلا الله، فمتى توكَّل عليه العبدُ في النوع الثاني حقَّ توكُّلِهِ كفاهُ النوعَ الأولَ تمامَ الكفايةِ. ومتى توكَّل

124

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي