الفوائد

قاعدة

الإيمانُ له ظاهرٌ وباطنٌ: وظاهرُهُ قولُ اللسان وعملُ الجوارح، وباطنه تصديق القلب وانقيادُهُ ومحبتُهُ.

فلا يَنفعُ ظاهرٌ لا باطنَ له، وإن حقَنَ به الدِّماء وعصَمَ به المال والذُّرِّيَّةَ.

ولا يُجزِئُ باطنٌ لا ظاهرَ له إلّا إذا تعذَّرَ بعجزٍ أو إكراهٍ وخوفِ هلاكٍ.

فتخلُّفُ العملِ ظاهرًا مع عدم المانع دليلٌ على فساد الباطن وخُلُوِّه من الإيمان، ونقصُهُ دليلُ نقصِه، وقوَّتُهُ دليلُ قوَّتِهِ.

فالإيمانُ قلبُ الإسلام ولُبُّه، واليقينُ قلبُ الإيمانِ ولبُّه.

وكلُّ علم وعمل لا يَزيدُ الإيمانَ واليقينَ قوةً فمدخولٌ، وكلُّ إيمانٍ لا يَبعثُ على العمل فمدخولٌ.

قاعدة

التوكُّلُ على الله نوعان:

أحدُهما: توكُلٌ عليه في جَلْبِ حوائج العبد وحظوظِه الدُّنيويَّةِ أو دَفْعِ مكروهاتِهِ ومصائبه الدُّنيويَّةِ.

والثاني: التوكُّل عليه في حصول ما يُحِبُّه هو ويَرضاهُ من الإيمان واليقين والجهادِ والدعوة إليه.

وبين النوعين من الفضل ما لا يُحْصِيه إلا الله، فمتى توكَّل عليه العبدُ في النوع الثاني حقَّ توكُّلِهِ كفاهُ النوعَ الأولَ تمامَ الكفايةِ. ومتى توكَّل

124

عليه في النوع الأول دون الثاني كفاه أيضًا، لكنْ لا يكونُ له عاقبةُ المتوكِّل عليه فيما يُحِبُّه ويرضاهُ.

فأعظمُ التوكُّل عليه: التوكُّلُ في الهداية، وتجريد التوحيد، ومتابعةِ الرسول، وجهادِ أهل الباطل؛ فهذا توكُّلُ الرُّسُلِ وخاصَّةِ أتباعِهم.

والتوكُّل تارةً يكونُ توكُّلَ اضطرارٍ وإلْجَاءٍ؛ بحيثُ لا يَجدُ العبدُ مَلجأ ولا وَزَرًا إلا التوكُّلَ؛ كما إذا ضاقتْ عليه الأسبابُ، وضاقتْ عليه نفسُهُ، وظَنَّ أنْ لا ملجأ من الله إلَّا إليه، وهذا لا يَتخلَّفُ عنه الفَرَجُ والتيسيرُ البتَّةَ.

وتارةً يكون توكُّلَ اختيارٍ، وذلك التوكُّلُ مع وجود السببِ المُفْضِي إلى المراد:

فإن كان السببُ مأمورًا به ذُمَّ على تركه. وإن قام بالسبب وتركَ التوكُّلَ ذُمَّ على تركه أيضًا؛ فإنَّه واجبٌ باتفاق الأمة ونصِّ القرآن. والواجبُ القيامُ بهما والجمعُ بينهما.

وإن كان السببُ محرَّمًا حرُمَ عليه مباشرتُهُ، وتَوحَّدَ السببُ في حقِّه في التوكُّل، فلم يَبقَ له سببٌ سواهُ؛ فإنَّ التوكُّل من أقوى الأسباب في حصولِ المرادِ ودفعِ المكروهِ، بل هو أقوى الأسباب على الإطلاق.

وإنْ كان السببُ مباحًا نظرتَ: هل يُضْعِفُ قيامُك به التوكُّلَ أو لا يُضعِفُه؟ فإن أضعفَه وفرَّقَ عليك قلبَك وشتَّتَ همَّك فتركُهُ أوْلى. وإن لم يُضعِفْهُ فمباشرتُه أولى؛ لأنَّ حكمةَ أحكم الحاكمين اقتضَتْ ربط المسبَّب به؛ فلا تُعطِّلْ حكمتَه مهما أمكنك القيامُ بها، ولا سيَّما إذا فعلتَهُ عبوديَّةً، فتكون قد أتيتَ بعبوديَّةِ القلبِ بالتوكُّل، وعبوديَّةِ الجوارحِ

125

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي