الفوائد

والعارفُ إنما يشكو إلى الله وحده.

وأعرفُ العارفين من جعلَ شكواه إلى الله من نفسه لا من الناس؛ فهو يَشكو من مُوجبات تسليطِ الناس عليه؛ فهو ناظرٌ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، وقوله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥].

فالمراتبُ ثلاثةٌ: أخسُّها: أن تشكوَ الله إلى خلقه، وأعلاها: أن تشكوَ نفسَك إليه، وأوسطها: أن تشكو خلقه إليه.

قاعدة جليلة

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَينَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيهِ تُحْشَرُونَ ٢٤﴾ [الأنفال: ٢٤].

فتضمنت هذه الآيةُ أمورًا:

أحدُها: أن الحياة النافعة إنما تَحصُلُ بالاستجابة لله ورسوله؛ فمن لم تَحصُلْ له هذه الاستجابةُ فلا حياةَ له، وإن كانت له حياةٌ بهيميَّةٌ مشتركةٌ بينه وبين أرذلِ الحيوانات.

فالحياةُ الحقيقيَّةُ الطيبةُ هي حياةُ من استجابَ لله والرسولِ ظاهرًا وباطنًا؛ فهؤلاء هم الأحياءُ وإن ماتوا، وغيرُهم أمواتٌ وإن كانوا أحياء الأبدانِ.

  1. = الأخبار (٢/ ٢٦٠).
127

ولهذا كان أكملُ الناسِ حياةً أكملَهم استجابةً لدعوة الرسول؛ فإنَّ كلَّ ما دعا إليه ففيه الحياةُ، فمن فاتَه جزءٌ منه فاتَه جزءٌ من الحياة، وفيه من الحياة بحسبِ ما استجابَ للرسول.

قال مجاهدٌ: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ يعني: للحقِّ.

وقال قتادةُ: هو هذا القرآنُ، فيه الحياةُ والنجاةُ والعصمةُ في الدُّنيا والآخرة.

وقال السُّدِّيُّ: هو الإسلامُ؛ أحياهُم به بعد موتهم بالكفر.

وقال ابنُ إسحاق وعُروةُ بن الزبير -واللفظ لهُ-: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؛ يعني: للحرب التي أعزَّكُمُ الله بها بعدَ الذُّلِّ، وقَوَّاكم بعد الضَّعْفِ، ومنعكم بها من عدُوِّكم بعد القهر منهم لكم.

وهذه كلُّها عباراتٌ عن حقيقةٍ واحدة، وهي القيام بما جاء به الرسولُ ظاهرًا وباطنًا.

قال الواحديُّ١: والأكثرون على أنَّ معنى قوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾: هو الجهادُ، وهو قولُ ابن إسحاق واختيارُ أكثرِ أهل المعاني.

قال الفرَّاءُ٢: إذا دَعاكُم إلى إحياءِ أمركم بجهادِ عدوِّكُم. يريد أن أمرهم إنما يَقوَى بالحرب والجهاد؛ فلو تركوا الجهادَ ضعُف أمرُهم، واجترأ عليهم عدوُّهم.

  1. (١) الأقوال السابقة ذكرها الواحدي في "الوسيط" (٢/ ٤٥٢).
  2. (٢) في "معاني القرآن" (١/ ٤٠٧).
128

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي