الفوائد

وعارضوا حكمَه بعقولهم الفاسدة وآرائهم الباطلة وسياساتهم الجائرة؛ فلا لربهم عَرفوا، ولا لمصالحهم حَصَّلوا. والله الموفق.

ومتى ظَفِر العبدُ بهذه المعرفة سَكنَ في الدنيا قبل الآخرة في جنة لا يُشبِه نعيمُها إلا نعيم جنة الآخرة؛ فإنه لا يزال راضيًا عن ربه، والرِّضَى جنةَ الدُّنيا ومُستَراحُ العارفين؛ فإنه طِيبُ النفس بما يَجري عليه من المقادير التي هي عين اختيار الله له وطمأنينتُها إلى أحكامه الدينية، وهذا هو الرِّضى بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ رسولًا، وما ذاقَ طَعْمَ الإيمانِ من لم يَحصُل له ذلك١. وهذا الرِّضى هو بحسب معرفته بعدل الله وحكمته ورحمته وحسنِ اختياره؛ فكلَّما كان بذلك أعرفَ كان به أرضَى.

فقضاء الرب سبحانه في عبده دائرٌ بين العدل والمصلحة والحكمة والرحمة، لا يَخرُج عن ذلك البتة؛ كما قال ﷺ في الدُّعاءِ المشهور: "اللهم! إنِّي عبدك، ابنُ عبدك، ابنُ أَمَتِك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حُكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألُك بكل اسم هو لك، سَمَّيتَ به نفسَك، أو أنزلتَه في كتابك، أو علَّمتَه أحدًا من خلقِك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك: أن تجعلَ القُرآنَ ربيعَ قلبي، ونورَ صدري، وجلاء حُزني، وذهابَ همّي وغمّي. ما قالها أحدٌ قطُّ إلَّا أذهبَ الله همَّهُ وغمَّهُ، وأبْدلهُ مكانَه فرحًا". قالوا: أفلا نتعلَّمُهنَّ يا رسول الله؟ قال: "بلى! ينبغي لمن سمعَهن أن يتعلمَهُنَّ"٢، والمقصود قوله: "عدلٌ فيَّ قضاؤك"، وهذا يتناول كل قضاءٍ يَقضِيه على عبده؛ من عقوبة، أو ألم، وسبب ذلك؛

  1. (١) إشارة إلى الحديث الذي أخرجه مسلم (٣٤) عن العباس.
  2. (٢) تقدم تخريجه (ص ٣٠).
135

فهو الذي قضَى بالسبب وقضى بالمسبب، وهو عدلٌ في هذا القضاء، وهذا القضاءُ خيرٌ للمؤمن؛ كما قال ﷺ: "والذي نفسي بيده لا يَقضِي الله للمؤمن قضاءً؛ إلَّا كان خيرًا له، وليس ذلك إلَّا للمؤمن"١.

قال العلَّامة ابن القيِّم: فسألتُ شيخَنا٢: هل يدخُلُ في ذلك قضاءُ الذنب؟ فقال: نعم بشرطه.

فأجملَ في لفظة (بشرطه) ما يَترتَّبُ على الذنب من الآثار المحبوبة لله من التوبة والانكسار والندم والخضوع والذُّلِّ والبكاءِ وغير ذلك.

فائدة

لا تَتِمُّ الرغبةُ في الآخرة إلا بالزُّهد في الدُّنيا.

ولا يستقيم الزُّهدُ في الدُّنيا إلا بعد نظرين صحيحين:

نظرٌ في الدُّنيا وسرعةِ زوالها وفنائها واضمحلالها ونقصها وخِسَّتها، وألم المزاحمة عليها والحرص عليها، وما في ذلك من الغُصَصِ والنَّغَصِ والأنكادِ، وآخِرُ ذلك الزوالُ والانقطاعُ، مع ما يُعقِبُ من الحسرة والأسف؛ فطالبُها لا يَنفكُّ من هَمٍّ قبل حصولها، وهَمٍّ في حالِ الظَّفرِ بها، وغمٍّ وحزنٍ بعد فواتها. فهذا أحدُ النظرين.

النظرُ الثاني في الآخرة، وإقبالِها ومجيئها ولا بُدَّ، ودوامِها وبقائها، وشرفِ ما فيها من الخيرات والمسرَّات، والتفاوت الذي بينه وبين ما ها هنا؛ فهي كما قال الله سبحانه: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٧]؛

  1. (١) أخرجه مسلم (٢٩٩٩) عن صهيب.
  2. (٢) يعني شيخ الإسلام ابن تيمية، وانظر "مجموع الفتاوى" (١٠/ ٤٥).
136

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي