الفوائد

للشَّهوات لم يتمَّ له ذلك إلا بدفع ما يضادُّه من الحقِّ، ولا سيَّما إذا قامت له شبهةٌ، فتتَّفقُ الشبهةُ والشهوةُ، ويَثُورُ الهوى، فيَخفَى الصوابُ، ويَنطمِسُ وجهُ الحقِّ! وإن كان الحقُّ ظاهرًا لا خفاءَ به ولا شبهةَ فيه أقدمَ على مخالفته، وقال: لي مَخرجٌ بالتوبة.

وفي هؤلاء وأشباههم قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩].

[وقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ] وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ١٦٩﴾ [الأعراف: ١٦٩].

فأخبر سبحانه أنهم أخذوا العرضَ الأدنى مع علمهم بتحريمه عليهم، وقالوا: سيُغفَر لنا! وإن عَرضَ لهم عرضٌ آخُر أخذوه؛ فهم مُصِرُّون على ذلك، وذلك هو الحامل لهم على أن يقولوا على الله غير الحقِّ، فيقولون: هذا حكمه وشرعه ودينُهُ! وهم يعلمون أن دينه وشرعه وحكمه خلافُ ذلك، أوْ لا يعلمون أن ذلك دينُهُ وشرعُهُ وحكمُهُ! فتارةً يقولون على الله ما لا يعلمون، وتارةً يقولون عليه ما يعلمون بطلانه!

وأمَّا الذين يتَّقون فيعلمون أنَّ الدار الآخرة خيرٌ من الدُّنيا، فلا يَحمِلُهم حبُّ الرئاسة والشهوة على أن يُؤثِروا الدُّنيا على الآخرة. وطريقُ ذلك أن يتمسكوا بالكتاب والسُّنَّة، ويستعينوا بالصبر والصلاة، ويتفكَّروا في الدُّنيا وزوالها وخسَّتها، والآخرةِ وإقبالِها ودوامِها.

وهؤلاء لا بدَّ أنَّ يبتدِعوا في الدين مع الفجور في العمل، فيجتمع لهم الأمران؛ فإنَّ اتِّباع الهوى يُعْمِي عينَ القلب؛ فلا يُميِّزُ بين السنة

146

والبدعة، أو يُنْكِسُهُ؛ فيرى البدعة سنةً والسنة بدعةً.

فهذه آفةُ العلماء إذا آثروا الدُّنيا واتَّبعوا الرئاسات والشَّهوات.

وهذه الآياتُ فيهم إلى قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَينَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوينَ ١٧٥ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦].

فهذا مَثَلُ عالمِ السوء الذي يعمل بخلاف علمه.

وتأمَّلْ ما تضمَّنته هذه الآية من ذمِّه، وذلك من وجوهٍ:

أحدُها: أنه ضَلَّ بعد العلم، واختار الكفرَ على الإيمان عمدًا لا جهلًا.

وثانيها: أنه فارق الإيمان مفارقةَ من لا يعود إليه أبدًا؛ فإنه انسلخ من الآيات بالجملة كما تنسلخُ الحيَّةُ من قِشْرِها، ولو بقي معه منها شيءٌ لمَ ينسلِخْ منها.

وثالثُها: أنَّ الشيطان أدْرَكهُ ولحقهُ بحيثُ ظَفِرَ به وافترسَهُ، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيطَانُ﴾، ولم يقلْ: تبعهُ؛ فإنَّ في معنى ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾ أدركه ولَحِقَه، وهو أبلغ من (تبِعَهُ) لفظًا ومعنى.

رابعُها: أنَّه غَوَى بعد الرُّشد، والغيُّ: الضَّلالُ في العلم والقصد، وهو أخصُّ بفساد القصد والعمل؛ كما أنَّ الضَّلال أخصُّ بفساد العلم والاعتقاد؛ فإذا أُفرِدَ أحدُهما دخلَ فيه الآخرُ، وإن اقترنا فالفرقُ ما ذُكِر.

وخامسُها: أنَّه سبحانه لم يشأ أن يرفعهُ بالعلم، فكان سبب هلاكه؛

147

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي