الفوائد

بعضُهم قول بعض، الذين هم كما قال عمرُ بن الخطاب والإمام أحمدُ: مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متَّفقون على مفارقةِ الكتاب.

وآخرون عندهم الإيمانُ عبادةُ الله بحُكْمِ أذواقِهم ومواجيدِهم وما تهواه نفوسهم من غير تقييد بما جاء به الرسولُ.

وآخرون الإيمان عندهم ما وجدوا عليه آباءهم وأسلافهم بحكم الاتفاق كائنًا ما كان، بل إيمانهم مبنيٌّ على مقدِّمتين: إحداهما: أن هذا قولُ أسلافنا وآبائنا. والثانية: أن ما قالوه فهو الحقُّ.

وآخرون عندهم الإيمان مكارمُ الأخلاق وحسنُ المعاملة وطلاقةُ الوجه وإحسانُ الظنِّ بكل أحدٍ وتخليةُ الناسِ وغفلاتِهم.

وآخرون عندهم الإيمان التجرُّدُ من الدُّنيا وعلائقها وتفريغ القلب منها والزُّهد فيها؛ فإذا رأوا رجلًا هكذا جعلوه من سادات أهل الإيمان، وإن كان منسلخًا من الإيمان علمًا وعملًا.

وأعلى من هؤلاء من جعل الإيمانَ هو مجرد العلم وإن لم يُقارِنْه عملٌ.

وكلُّ هؤلاء لم يَعرِفوا حقيقةَ الإيمان ولا قاموا به ولا قام بهم.

وهم أنواعٌ: منهم من جعل الإيمانَ ما يضادُّ الإيمانَ، ومنهم من جعل الإيمان ما لا يُعتبرُ في الإيمان، ومنهم من جعله ما هو شرطٌ فيه ولا يكفي في حصوله، ومنهم من اشترط في ثبوته ما يُناقِضُه ويُضادُّه، ومنهم من اشترط فيه ما ليس منه بوجه.

والإيمان وراء ذلك كلِّه.

155

وهو حقيقةٌ مركبةٌ من: معرفة ما جاء به الرسولُ ﷺ علمًا، والتصديق به عقدًا، والإقرار به نُطقًا، والانقياد له محبَّةً وخضوعًا، والعمل به باطنًا وظاهرًا، وتنفيذه والدعوة إليه بحسب الإمكان.

وكماله في: الحبِّ في الله، والبُغْضِ في الله، والعطاءِ لله، والمنع لله، وأن يكون الله وحده إلهَهُ ومعبوده.

والطريق إليه: تجريدُ متابعة رسولهِ ظاهرًا وباطنًا، وتغميضُ عين القلبِ عن الالتفات إلى سوى الله ورسوله.

وبالله التوفيق.

من اشتغل بالله عن نفسه كفاهُ الله مؤونَة نفسِه، ومن اشتغل بالله عن الناس كفاه الله مؤونةَ الناس، ومن اشتغل بنفسه عن الله وَكَلهُ الله إلى نفسه، ومن اشتغل بالناس عن الله وَكَلهُ الله إليهم.

فائدة جليلة

إنما يَجِدُ المشقةَ في ترك المألوفات والعوائد من تركها لغير الله، فأما من تركَها صادقًا مخلصًا من قلبه لله؛ فإنه لا يجد في تركها مشقةً إلّا في أول وهلة، ليُمْتحن أصادقٌ هو في تركها أم كاذبٌ؟ فإن صبرَ على تلك المشقة قليلًا استحالتْ لذَّةً.

قال ابن سيرين: سمعتُ شُريحًا يَحلِفُ بالله ما تركَ عبدٌ لله شيئًا فوجدَ فَقْدَه.

وقولهم: "من ترك لله شيئًا عوَّضَه الله خيرًا منه"١ حقٌّ، والعوضُ

  1. (١) جاء هذا في حديث مرفوع سبق تخريجه (ص ٦٣).
156

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي