الفوائد

وحرصُه عليه أتمَّ؛ بخلاف النفس الباردة الخالية من ذلك؛ فإنها وإن كانت طالبةً للأعلى، لكن بين الطلبين فرقٌ عظيم! ألا ترى أن من مشى١ إلى محبوبه على الجمر والشوك أعظمُ ممَّن مشى٢ إليه راكبًا على النجائب؟ فليس من آثر محبوبه مع منازعة نفسه كمن آثره مع عدم منازعتها إلى غيره؛ فهو سبحانه يبتلي عبده بالشَّهوات؛ إمَّا حجابًا له عنه، أو حاجبًا له يُوصِلُه إلى رضاهُ وقُربِه وكرامتِهِ.

الفرقة الرابعة: فرقةٌ عرفتْ سبيلَ الشرِّ والبدع والكفر مفصَّلةً، وسبيلَ المؤمنين مجملةً.

وهذا حالُ كثيرٍ ممن اعتنى بمقالات الأمم ومقالات أهل البدع، فعرفها على التفصيل، ولم يَعرِفْ ما جاء به الرسول كذلك، بل عرفهُ معرفةً مجملةً، وإن تفصَّلتْ له في بعض الأشياء، ومن تأمَّل كُتبهم رأى ذلك عيانًا.

وكذلك من كان عارفًا بطرق الشر والظُّلم والفساد على التفصيل سالكًا لها، إذا تاب ورجع عنها إلى سبيل الأبرار؛ يكونُ علمه بها مجملًا، غير عارفٍ بها على التفصيل معرفةَ من أفنى عُمُرَهُ في تصرُّفها وسلوكها.

والمقصودُ أنَّ الله سبحانه يُحِبُّ أن تُعرَفَ سبيلُ أعدائه لتُجتنَب وتُبْغَض كما يُحِبُّ أن تُعرَف سبيلُ أوليائه لتُحَبَّ وتُسلَكَ.

وفي هذه المعرفة من الفوائد والأسرار ما لا يعلمه إلا الله؛ من معرفة

  1. (١) في الأصل: "من مشى من سار".
  2. (٢) في الأصل: "من مشى من سار".
161

عمومِ ربوبيَّته سبحانه وحكمته، وكمال أسمائه وصفاته، وتعلُّقها بمتعلَّقاتها، واقتضائها لآثارها وموجباتها. وذلك من أعظم الدِّلالة على ربوبيَّتِهِ ومُلكِهِ وإلهيَّتِهِ، وحُبِّهِ وبُغْضِهِ، وثوابِهِ وعقابِهِ.

والله أعلم.

• أربابُ الحوائج على باب الملك يسألون قضاءَ حوائجهم، وأولياؤُهُ المحبُّون له الذين هو همُّهم ومُرادُهم جُلساؤُهُ وخواصُّه؛ فإذا أراد قضاءَ حاجة واحدٍ من أولئك؛ أذِنَ لبعض جلسائه وخاصَّتِهِ أن يشفع فيه رحمةً له وكرامةً للشافع، وسائرُ الناس مطرودون عن الباب مضروبون بسياط البُعْدِ.

فصل

عشرةُ أشياء ضائعةٌ لا يُنتفع بها: علمٌ لا يُعمَل به، وعملٌ لا إخلاصَ فيه ولا اقتداء، ومالٌ لا يُنْفَقُ منه فلا يَستمتِعُ به جامعُه في الدُّنيا ولا يُقدِّمُه أمامَه إلى الآخرة، وقلبٌ فارغٌ من محبة الله والشوق إليه والأنس به، وبدنٌ معطَّلٌ من طاعته وخدمته، ومحبةٌ لا تتقيَّدُ برِضىَ المحبوب وامتثال أوامره، ووقتٌ معطَلٌ عن استدراك فارطٍ أو اغتنام برٍّ وقُربةٍ، وفكرٌ يجولُ فيما لا ينفعُ، وخدمةُ من لا تُقرِّبُك خدمتُه إلى الله ولا تعودُ عليك بصلاح دُنياك، وخوفُك ورجاؤُك لمن ناصيته بيد الله وهو أسيرٌ في قبضته ولا يَملِك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا.

وأعظمُ هذه الإضاعات إضاعتان هُما أصلُ كلِّ إضاعةٍ: إضاعةُ القلب وإضاعةُ الوقت؛ فإضاعة القلب من إيثار الدُّنيا على الآخرة، وإضاعةُ الوقت من طول الأمل.

162

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي