الفوائد

فاجتمع الفسادُ كلُّه في اتباع الهوى وطول الأمل، والصلاحُ كلُّه في اتِّباع الهدى والاستعداد للِّقاء.

والله المستعانُ.

• العجب ممن تَعرِضُ له حاجةٌ، فيَصْرِفُ رغبتَه وهمتَه فيها إلى الله ليقضيها له، ولا يَتصدَّى للسؤال لحياة قلبه من موت الجهل والإعراض، وشفائه من داء الشهوات والشبهات! ولكن إذا مات القلبُ لم يَشْعُرْ بمعصيته!

فصل

لله سبحانه على عبده أمرٌ أمرَهُ به وقضاءٌ يقضيه عليه ونعمةٌ يُنْعِمُ بها عليه؛ فلا ينفكُّ من هذه الثلاثة، والقضاءُ نوعان: إمَّا مصائبُ وإما معايبُ، وله عليه عبوديةٌ في هذه المراتب كلِّها.

فأحبُّ الخلق إليه: من عرفَ عبوديتَهُ في هذه المراتب ووفَّاها حقَّها؛ فهذا أقربُ الخلق إليه. وأبعدُهم منه: من جَهِلَ عبوديتَهُ في هذه المراتب فعطَّلها علمًا وعملًا.

فعبوديتُهُ في الأمر: امتثالُه إخلاصًا واقتداءً برسول الله ﷺ.

وفي النهي: اجتنابُهُ خوفًا منه وإجلالًا ومحبَّةً.

وعبوديتُهُ في قضاء المصايب: الصبرُ عليها، ثم الرِّضَى بها وهو أعلى منه، ثم الشكر عليها وهو أعلى من الرِّضى. وهذا إنما يتأتَّى منه إذا تمكن حبُّهُ من قلبه وعلم حُسْنَ اختياره له وبرَّه به ولطفَه به وإحسانه إليه بالمصيبة وإن كره المصيبة.

163

وعبوديته في قضاء المعايب: المبادرة إلى التوبة منها والتنصُّل والوقوف في مقام الاعتذار والانكسار، عالمًا بأنه لا يرفعُها عنه إلا هو، ولا يَقِيه شرَّها سواه، وأنها إن استمرَّت أبعدتْه من قربه وطَردتْه من بابه، فيراها من الضُّرِّ الذي لا يكشفه غيره، حتى إنه ليراها أعظم من ضر البدن؛ فهو عائذٌ برضاه من سخطه، وبعفوه من عقوبته، وبه منه، مستجيرٌ به منه، وملتجئٌ منه إليه، يعلم أنه إذا تخلى عنه وخلَّى بينه وبين نفسه فعنده أمثالُها وشرٌّ منها، وأنه لا سبيلَ له إلى الإقلاع والتوبة إلَّا بتوفيقه وإعانته، وأن ذلك بيده سبحانه لا بيد العبد؛ فهو أعجز وأضعف وأقل من أن يوفق نفسه أو يأتي بمرضاة سيده بدون إذنه ومشيئته وإعانته؛ فهو ملتجئٌ إليه، متضرِّعٌ، ذليلٌ، مسكين، مُلْقٍ نفسَه بين يديه، طريحٌ ببابه، مستخذٍ له، أذلُّ شيءٍ وأكسره له، وأفقره وأحوجه إليه، وأرغبُهُ فيه، وأحبه له، بدنه متصرفٌ في أشغاله، وقلبه ساجدٌ بين يديه، يعلم يقينًا أنه لا خير فيه ولا له ولا به ولا منه، وأن الخير كله لله وفي يديه وبه ومنه؛ فهو وليُّ نعمته، ومبتدئه بها من غير استحقاق، ومُجرِيها عليه مع تمقُّته إليه بإعراضه وغفلته ومعصيته؛ فحظُّه سبحانه الحمد والشكر والثناء، وحظُّ العبد الذمُّ والنقصُ والعيب، قد استأثر بالمحاميد والمدح والثناء، وولي العبدُ الملامةَ والنقائص والعيوب؛ فالحمدُ كلُّه له، والخير كلُّه في يديه، والفضلُ كلُّه له، والثناءُ كلُّه له، والمنةُ كلُّها له؛ فمنه الإحسانُ ومن العبد الإساءةُ، ومنه التودُّدُ إلى العبد بنعمه ومن العبد التبغُّضُ إليه بمعاصيه، ومنه النُّصح لعبده ومن العبد الغشُّ له في معاملته.

وأمَّا عبودية النِّعم فمعرفتها والاعتراف بها أولًا، ثم العياذُ به أن يقع في قلبه نسبتُها وإضافتُها إلى سواه وإن كان سببًا من الأسباب؛ فهو مسبّبه

164

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي