علامة صحة الإرادة: أن يكون همُّ المريد رِضَى ربه، واستعداده للقائه، وحزنه على وقت مرَّ في غير مرضاته، وأسفه على قربه والأنس به. وجماعُ ذلك أن يُصبح ويُمسي وليس له همٌّ غيره.
فصل
• إذا استغنى الناسُ بالدُّنيا فاستغنِ أنت بالله، وإذا فرحوا بالدُّنيا فافرح أنت بالله، وإذا أَنِسُوا بأحبابهم فاجعلْ أنسَك بالله، وإذا تعرَّفوا إلى ملوكهم وكبرائهم وتقربوا إليهم لينالوا بهم العزَّ والرفعة؛ فتعرَّفْ أنت إلى الله وتودَّدْ إليه؛ تنالُ بذلك غاية العز والرفعة.
• قال بعض الزُّهاد: ما علمتُ أن أحدًا سمع بالجنة والنار تأتي عليه ساعةٌ لا يطيع الله فيها بذكر أو صلاة أو قراءة أو إحسان. فقال له رجلٌ: إني أُكثِرُ البكاء. فقال: إنك إن تضحك وأنت مُقِرٌّ بخطيئتك خيرٌ من أن تبكي وأنت مُدِلٌّ بعملك؛ إنَّ المُدِلَّ لا يصعد عمله فوق رأسه. فقال: أوصني. فقال: دع الدنيا لأهلها كما تركوا هم الآخرة لأهلها، وكن في الدنيا كالنحلة: إن أكلتْ أكلتْ طيبًا، وإن أطعمتْ أطعمتْ طيبًا، وإن سقطتْ على شيء لم تَكسِرْه ولم تَخدِشْه.
فصل
الزهد أقسامٌ: زهدٌ في الحرام، وهو فرضُ عين. وزهدٌ في الشبهات، وهو بحسب مراتب الشبهة: فإن قويتْ التحقتْ بالواجب، وإن ضعُفتْ كان مستحبًا. وزهدٌ في الفضول. وزهدٌ فيما لا يَعنِي من الكلام والنظر والسؤال واللقاء وغيره. وزهدٌ في الناس. وزهدٌ في
النفس بحيث تَهُون عليه نفسُه في الله. وزهدٌ جامعٌ لذلك كله، وهو الزهدُ فيما سوى الله وفي كل ما شَغَلك عنه.
وأفضل الزهد إخفاء الزهد.
وأصعبه الزهدُ في الحظوظ.
والفرق بينه وبين الورع: أن الزهد تركُ ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يخشى ضرره في الآخرة.
والقلب المعلَّق بالشهوات لا يصح له زهدٌ ولا ورعٌ.
قال يحيى بن معاذ: عجبتُ من ثلاث: رجلٌ يُرائي بعمله مخلوقًا مثلَه ويتركُ أن يعمله لله، ورجلٌ يبخلُ بماله وربُّه يَستقرِضه منه فلا يُقرِضه منه شيئًا، ورجلٌ يَرغب في صحبة المخلوقين ومودَّتهم، والله يدعوه إلى صحبته ومودته.
فائدة جليلة
قال سهل بن عبد الله: ترك الأمر عند الله أعظم من ارتكاب النهي؛ لأنَّ آدم نُهِي عن أكل الشجرة فأكل منها فتاب عليه، وإبليس أُمِر أن يسجد لآدم فلم يسجد فلم يُتَب عليه.
قلت: هذه مسألة عظيمةٌ لها شأنٌ، وهي أن ترك الأوامر أعظم عند الله من ارتكاب المناهي١، وذلك من وجوه عديدة:
أحدُها: ما ذكره سهلٌ من شأن آدم وعدوِّ الله إبليس.
(١) لشيخ الإسلام ابن تيمية قاعدة في هذه المسألة أطال فيها الكلام من وجوه، انظر "مجموع الفتاوى" (٢٠/ ٨٥ - ١٥٨).