الفوائد

النفس بحيث تَهُون عليه نفسُه في الله. وزهدٌ جامعٌ لذلك كله، وهو الزهدُ فيما سوى الله وفي كل ما شَغَلك عنه.

وأفضل الزهد إخفاء الزهد.

وأصعبه الزهدُ في الحظوظ.

والفرق بينه وبين الورع: أن الزهد تركُ ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يخشى ضرره في الآخرة.

والقلب المعلَّق بالشهوات لا يصح له زهدٌ ولا ورعٌ.

قال يحيى بن معاذ: عجبتُ من ثلاث: رجلٌ يُرائي بعمله مخلوقًا مثلَه ويتركُ أن يعمله لله، ورجلٌ يبخلُ بماله وربُّه يَستقرِضه منه فلا يُقرِضه منه شيئًا، ورجلٌ يَرغب في صحبة المخلوقين ومودَّتهم، والله يدعوه إلى صحبته ومودته.

فائدة جليلة

قال سهل بن عبد الله: ترك الأمر عند الله أعظم من ارتكاب النهي؛ لأنَّ آدم نُهِي عن أكل الشجرة فأكل منها فتاب عليه، وإبليس أُمِر أن يسجد لآدم فلم يسجد فلم يُتَب عليه.

قلت: هذه مسألة عظيمةٌ لها شأنٌ، وهي أن ترك الأوامر أعظم عند الله من ارتكاب المناهي١، وذلك من وجوه عديدة:

أحدُها: ما ذكره سهلٌ من شأن آدم وعدوِّ الله إبليس.

  1. (١) لشيخ الإسلام ابن تيمية قاعدة في هذه المسألة أطال فيها الكلام من وجوه، انظر "مجموع الفتاوى" (٢٠/ ٨٥ - ١٥٨).
171

الثاني: أن ذنب ارتكاب النهي مصدره في الغالب الشهوة والحاجة، وذنبُ ترك الأمر مصدره في الغالب الكِبْرُ والعزَّةُ، و"لا يدخل الجنةَ من كان في قلبه مثقال ذرة من كبرٍ"١، ويدخلها من مات على التوحيد وإن زنى وسرق.٢

الثالث: أن فعل المأمور أحبُّ إلى الله من ترك المنهي؛ كما دلَّ على ذلك النصوصُ:

كقوله ﷺ: "أحبُّ الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها"٣.

وقوله: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من أن تَلْقَوا عدوَّكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم"؟. قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "ذكرُ الله"٤.

وقوله: "واعلموا أنَّ خير أعمالكم الصلاة"٥.

وغير ذلك من النصوص.

وترك المناهي عملٌ؛ فإنه كفُّ النفسِ عن الفعل.

ولهذا علَّق سبحانه المحبةَ بفعل الأوامر؛ كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ

  1. (١) أخرجه مسلم (٩١) عن ابن مسعود.
  2. (٢) أشار إلى حديث أبي ذر الذي أخرجه البخاري (١٢٣٧) ومسلم (٩٤).
  3. (٣) أخرجه البخاري (٥٢٧) ومسلم (٨٥) عن ابن مسعود.
  4. (٤) أخرجه أحمد (٥/ ١٩٥) والترمذي (٣٣٧٧) وابن ماجه (٣٧٩٠) من حديث أبي الدرداء، وهو حديث صحيح.
  5. (٥) أخرجه أحمد (٥/ ٢٨٢) والدارمي (١/ ١٦٨) وابن ماجه (٢٧٧) والحاكم (١/ ١٣٠) من حديث ثوبان. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وهو صحيح لطرقه وشواهده.
172

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي