الفوائد

لَاعِبِينَ (٣٨)﴾ [الدخان: ٣٨]، وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص: ٢٧]، وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ٣٦﴾ [القيامة: ٣٦]، وقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ ١١٥ فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦]، وقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ٢١﴾ [الجاثية: ٢١].

ولهذا كان الصوابُ أنَّ المعاد معلومٌ بالعقل مع الشرع، وأن كمالَ الربِّ تعالى وكمال أسمائه وصفاته تَقتضِيهِ وتُوجِبُهُ، وأنَّه مُنزَّهٌ عما يقولُه مُنكِروه كما يُنَزَّهُ كمالُه عن سائر العيوبِ والنقائص.

ثم أخبر سبحانَه أنَّ المُنكِرين لذلك لما كذَّبوا بالحقِّ اختلط عليهم أمرُهم؛ ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ٥﴾ [ق: ٥] مختلطٍ لا يَحصُلونَ منه على شيءٍ.

ثم دعاهم إلى النظرِ في العالم العُلْويِّ وبنائِهِ وارتفاعِهِ واستوائِهِ وحُسْنِه والتئامِهِ.

ثم إلى العالم السُّفْلِيِّ، وهو الأرضُ، وكيف بَسَطَها وهيَّأها بالبسط لِما يُرادُ منها، وثبَّتها بالجبال، وأودعَ فيها المنافع، وأنبتَ فيها من كلِّ صنفٍ حسنٍ من أصنافِ النباتِ على اختلاف أشكالِهِ وألوانِهِ ومقاديرِهِ ومنافعِهِ وصفاتِهِ. وأنَّ ذلك تَبْصِرةٌ؛ إذا تأمَّلها العبدُ المُنِيبُ وتَبصَّرَ بها تَذَكَّرَ ما دلَّت عليه مما أخبرتْ به الرسلُ من التوحيدِ والمعادِ؛ فالناظرُ فيها يَتبصَّرُ أولًا، ثم يَتذكَّرُ ثانيًا. وأنَّ هذا لا يَحصُلُ إلا لعبدٍ منيبٍ إلى الله بقلبِهِ وجوارحِهِ.

ثم دعاهم إلى التفكُّر في مادةِ أَرْزاقِهِم وأقواتِهم ومَلابِسِهم ومَراكِبِهم

9

وجَنَّاتِهِم، وهو الماءُ الذي أنزلَه من السماءِ وباركَ فيه، حتى أنْبَتَ به جَناتٍ مختلفةَ الثمارِ والفواكهِ ما بين أبيضَ وأسودَ وأحمرَ وأصفرَ وحلوٍ وحامضٍ وبَيْنَ ذلك، مع اختلافِ منافِعِها وتنوُّعُ أجناسِها، وأنْبَتَ به الحبوبَ كلَّها على تَنوُّعِها واختلافِ مَنافِعهَا وصفاتِها وأشكالها ومقاديرها، ثم أفردَ النخلَ لما فيه من موضع العبرةِ والدِّلالةِ التي لا تَخفى على المتأمِّل، وأَحيا به الأرض بَعْدَ مَوْتِها.

ثم قال: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ١١﴾ [ق: ١١]؛ أي: مثلُ هذا الإخراج من الأرض الفواكه والثمارَ والأقوات والحبوبَ خروجُكُم من الأرض بعد ما غُيِّبْتُم فيها.

وقد ذكرنا هذا القياس وأمثاله من المقاييس الواقعة في القرآن في كتابنا "المعالم"١، وبيَّنَّا بعضَ ما فيها من الأسرار والعِبَر.

ثم انتقلَ سبحانه إلى تقرير النبوَّةِ بأحسنِ تقريرٍ وأوجزِ لفظٍ وأبعدِهِ عن كلِّ شُبهةٍ وشكٍّ، فأخبر أنه أرسل إلى قوم نوح وعادٍ وثمود وقوم لوطٍ وقوم فرعونَ رُسلًا فكذَّبوهم، فأهلكَهُم بأنواع الهلاك، وصَدَّقَ فيهم وعيدَه الذي أوْعَدَتْهم به رُسُلُهُ إن لم يؤمنوا، وهذا تقريرٌ لنبوَّتِهِم ولنبوَّةِ مَن أخبرَ بذلك عنهم من غير أن يتعلَّم ذلك من مُعلِّمٍ ولا قرأهُ في كتابٍ، بل أخبر به إخبارًا مفصَّلًا مطابقًا لما عند أهل الكتابِ.

ولا يَرِدُ على هذا إلَّا سؤالُ البَهْتِ والمكابرةِ على جَحْدِ الضَّروريات بأنَّه لم يكنْ شيءٌ من ذلك! أو أنَّ حوادثَ الدهرِ ونكباتِهِ أصابتْهم كما أصابتْ غيرَهم!! وصاحبُ هذا السؤال يعلَمُ من نفسِهِ أنه بَاهتٌ

  1. (١) أي "إعلام الموقعين عن رب العالمين" (١/ ١٥٠ - ١٩٥).
10

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي