أمثالِ فعلِها، وجزاءُ المنهيَّات مثلٌ واحدٌ، وهذا يدلُّ على أن فعل ما أمر به أحبُّ إليه من ترك ما نهى عنه، ولو كان الأمرُ بالعكس لكانت السيئةُ بعشرةٍ والحسنةُ بواحدةٍ أو تساويَا.
الوجه السادس عشر: أنَّ المنهيَّ عنه المقصودُ إعدامُه وأن لا يدخل في الوجود، سواءٌ نوى ذلك أو لم يَنْوه، وسواءٌ خطر بباله أو لم يخطر؛ فالمقصود أن لا يكون، وأما المأمورُ به فالمقصودُ كونه وإيجادُه والتقرُّبُ به نيةً وفعلًا.
وسرُّ المسألة: أنَّ وجود ما طلب إيجادَهُ أحبُّ إليه من عدم ما طلب إعدامهُ، وعدم ما أحبَّه أكره إليه من وجود ما يُبْغِضُهُ؛ فمحبتُه لفعل ما أمر به أعظمُ من كراهته لفعل ما نهى عنه.
يوضحُه الوجهُ السابع عشر: أنَّ فعل ما يُحِبُّه والإعانة عليه وجزاءه وما يترتَّبُ عليه من المدح والثناء من رحمته، وفعل ما يكرهه وجزاءه وما يترتَّبُ عليه من الذَّمِّ والألم والعقاب من غضبه، ورحمتُه سابقةٌ على غضبه غالبةٌ له، وكل ما كان من صفةِ الرحمة فهو غالبٌ لما كان من صفة الغضب؛ فإنَّه سبحانه لا يكون إلَّا رحيمًا، ورحمتُهُ من لوازم ذاته؛ كعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره وإحسانه، فيستحيل أن يكون على خلاف ذلك، وليس كذلك غضبه، فإنه ليس من لوازم ذاته، ولا يكون غضبانَ دائمًا غضبًا لا يُتَصَوَّرُ انفكاكُه، بل يقولُ رُسُلُه وأعلمُ الخلق به يوم القيامة: "إن ربي قد غضبَ اليوم غضبًا لم يَغْضَبْ قبله مثله ولن يغضب بعده مثله"١، ورحمته وسعت كلَّ شيءٍ وغضبُهُ لم يسع كلَّ
(١) قطعة من حديث الشفاعة المشهور، وقد أخرجه البخاري (٤٧١٢) ومسلم (١٩٤) عن أبي هريرة.
شيءٍ، وهو سبحانه كتب على نفسه الرحمةَ ولم يكتُب على نفسه الغضب، ووسع كلَّ شيءٍ رحمةً وعلمًا ولم يَسَعْ كلَّ شيءٍ غضبًا وانتقامًا؛ فالرحمةُ وما كان بها ولوازمُها وآثارُها غالبةٌ على الغضب وما كان منه وآثاره؛ فوجودُ ما كان بالرحمة أحبُّ إليه من وجود ما كان من لوازم الغضب، ولهذا كانت الرحمةُ أحبُّ إليه من العذاب، والعفوُ أحبَّ إليه من الانتقام؛ فوجود محبوبه أحبُّ إليه من فوات مكروهه، ولا سيَّما إذا كان في فوات مكروهه فواتُ ما يحبُّه من لوازمه؛ فإنَّه يكره فوات تلك اللوازم المحبوبة كما يكرهُ وجود ذلك الملزوم المكروه.
الوجهُ الثامن عشر: أن آثار ما يكرهُهُ -وهو المنهياتُ- أسرعُ زوالًا بما يُحبُّه من زوال آثار ما يحبُّه بما يكرهُه.
فآثارُ كراهته سريعةُ الزوال، وقد يُزيلُها سبحانه بالعفو والتجاوز، وتزولُ بالتوبة، والاستغفار، والأعمال الصالحة، والمصائب المُكَفِّرة، والشفاعة، والحسناتُ يُذْهِبْنَ السَّيِّئات، ولو بلغتْ ذنوبُ العبدِ عَنانَ السماءِ، ثم استغفره غفر له، ولو لقيَهُ بِقُرابِ الأرض خطايا، ثم لقيَهُ لا يُشرِكُ به شيئًا؛ لأتاهُ بقُرابها مغفرة، وهو سبحانه يَغفرُ الذنوب -وإن تعاظمت- ولا يُبالي، فيبطِلُها ويبطلُ آثارها بأدنى سعي من العبد وتوبةٍ نصوح وندمٍ على ما فعل، وما ذاك إلا لوجود ما يُحِبُّه من توبة العبد وطاعته وتوحيده، فدلَّ على أنَّ وجود ذلك أحبُّ إليه وأرضى له.
يوضِّحُه الوجهُ التاسعَ عشرَ: وهو أنَّه سبحانه قدَّر ما يُبْغِضُهُ ويكرهُهُ من المنهيَّاتِ لما يترتَّب عليها مما يحبُّه ويفرحُ به من المأمورات.
فإنَّه سبحانه أفرحُ بتوبة عبده من الواجد الفاقد والعقيم الوالد والظمآن الوارد، وقد ضربَ رسولُ الله ﷺ لفرحه بتوبة العبد مثلًا