وهذا وجهٌ دقيقٌ يحتاجُ إلى بيان، فنقولُ:
المنهياتُ شرورٌ وتُفضي إلى الشرور، والمأموراتُ خيرٌ وتُفضي إلى الخيرات، والخيرُ بيديه سبحانه والشرُّ ليس إليه١؛ فإنَّ الشرَّ لا يدخلُ في صفاته ولا في أفعاله ولا في أسمائه، وإنما هو في المفعولات، مع أنه شرٌّ بالإضافة والنسبة إلى العبد، وإلَّا من حيثُ إضافتهُ ونسبتهُ إلى الخالق سبحانه فليس بشرٍّ من هذه الجهة.
فغايةُ ارتكاب المنهيِّ أن يوجب شرًّا بالإضافة إلى العبد مع أنه في نفسه ليس بشرٍّ، وأما فواتُ المأمور فيفوتُ به الخيرُ الذي بفواته يحصُلُ ضدُّه من الشر، وكلما كان المأمور أحبَّ إلى الله سبحانه؛ كان الشرُّ الحاصلُ بفواته أعظم؛ كالتوحيد والإيمان.
وسرُّ هذه الوجوه: أنَّ المأمور به محبوبُهُ والمنهيَّ مكروهُهُ، ووقوعُ محبوبه أحبَّ إليه من فوات مكروهه، وفواتُ محبوبه أكرهُ إليه من وقوع مكروهه.
والله أعلم.
فصل
مبنى الدين على قاعدتين: الذكر والشكر:
قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ١٥٢﴾
[البقرة: ١٥٢].
وقال النبيُّ ﷺ لمعاذٍ: "والله إنِّي لأحبُّك؛ فلا تنسَ أن تقول دُبُر كُلِّ
- (١) كما في حديث علي الذي أخرجه مسلم (٧٧١).