الفوائد

صلاةٍ: اللهمَّ! أعِنّي على ذِكْركَ وشُكْرِكَ وحُسْنِ عبادَتِكَ"١.

وليس المرادُ بالذِّكْرِ مجرد ذكر اللسان، بل الذكر القلبي واللساني، وذكره يتضمن ذكرَ أسمائِهِ وصفاته، وذكرَ أَمرهِ ونهيهِ وذِكْرَهُ بكلامه، وذلك يستلزمُ معرفتَهُ والإيمان به وبصفات كمالهِ ونعوتِ جلالِهِ والثناء عليه بأنواع المدح، وذلك لا يتمُّ إلا بتوحيده.

فذكره الحقيقيُّ يستلزمُ ذلك كلَّه ويستلزم ذكر نعمهِ وآلائِهِ وإحسانِهِ إلى خلقه.

وأما الشكرُ فهو القيامُ له بطاعته والتقرُّبُ إليه بأنواع محابِّه ظاهرًا وباطنًا.

وهذان الأمران هما جِمَاعُ الدِّين؛ فذكره مستلزمٌ لمعرفته، وشكره متضمنٌ لطاعته.

وهذان هما الغايةُ التي خَلقَ لأجلها الجنَّ والإنس والسماوات والأرض، ووضع لأجلها الثواب والعقاب، وأنزل الكُتُبَ، وأرْسل الرُّسُلَ، وهي الحق الذي به خُلِقَتِ السماواتُ والأرضُ وما بينهما، وضدُّها هو الباطلُ والعبثُ الذي يتعالى ويتقدَّسُ عنه، وهو ظنُّ أعدائه به.

قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧].

  1. (١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٤٤، ٢٤٧) وأَبو داود (١٥٢٢) والنسائي (٣/ ٥٣) عن معاذ. وإسناده صحيح.
186

وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا لَاعِبِينَ ٣٨ مَا خَلَقْنَاهُمَا إلا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩].

وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾ [الحجر: ٨٥].

وقال بعد ذكر آياته في أول سورة يونس: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: ٥].

وقال: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ٣٦﴾ [القيامة: ٣٦].

وقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ ١١٥﴾ [المؤمنون: ١١٥].

وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ٥٦﴾ [الذاريات: ٥٦].

[وقال:] ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَينَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].

وقال: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ٩٧﴾ [المائدة: ٩٧].

فثبت بما ذُكِر أنَّ غاية الخلق والأمْرِ أن يُذْكَرَ وأن يُشكرَ؛ يُذْكَر فلا يُنْسى، ويُشْكَر فلا يُكْفَر.

وهو سبحانه ذاكرٌ لمن ذكرهُ، شاكرٌ لمن شكرهُ؛ فذِكْرُه سببٌ لذِكره، وشُكْرُهُ سببٌ لزيادته من فضله.

فالذِّكْرُ للقلب واللسان.

187

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي