الفوائد

أسباب فلكيَّةٍ وقُوى نفسانية!!

وإنما كان الصبر والشكر سببًا لانتفاع صاحبهما بالآيات؛ [لأنَّ الإيمان] ينبني على الصبر والشكر؛ فنصفُهُ صبرٌ ونصفه شكرٌ؛ فعلى حسب صبر العبد وشكره تكون قوةُ إيمانِه، وآياتُ الله إنما ينتفع بها من آمن بالله وآياته، ولا يتم له الإيمان إلا بالصبر والشكر؛ فإن رأس الشكر التوحيد، ورأس الصبر ترك إجابة داعي الهوى؛ فإذا كان مشركًا متبعًا هواه لم يكن صابرًا ولا شكورًا، فلا تكون الآياتُ نافعةً له ولا مؤثِّرةً فيه إيمانًا.

فصل

وأمَّا الأصل الثاني -وهو اقتضاءُ الفجور والكبر والكذب للضَّلال- فكثيرٌ أيضًا في القرآن:

كقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الْفَاسِقِينَ ٢٦ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ٢٧﴾ [البقرة: ٢٦ - ٢٧].

وقال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].

وقال تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَينِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: ٨٨].

وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ ٨٨﴾ [البقرة: ٨٨].

191

وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]؛ فأخبر أنه عاقبهم على تخلفهم عن الإيمان لما جاءهم وعرفوه وأعرضوا عنه، بأن قلَّب أفئدتَهم وأبصارهم وحال بينهم وبين الإيمان؛ كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَينَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]؛ فأمرهم بالاستجابة له ولرسوله حين يدعوهم إلى ما فيه حياتُهم، ثم حذَّرهم من التخلُّف والتأخُّر عن الاستجابة الذي يكون سببًا لأن يحول بينهم وبين قلوبهم؛ وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ٥﴾ [الصف: ٥].

وقال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ١٤﴾ [المطففين: ١٤]؛ فأخبر سبحانه أن كسبهم غطَّى على قلوبهم وحال بينها وبين الإيمان بآياته، فقالوا: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ١٣﴾ [المطففين: ١٣].

وقال تعالى في المنافقين: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم﴾ [التوبة: ٦٧]؛ فجازاهم على نسيانهم له أن نَسِيَهم فلم يذكرهم بالهدى والرحمة، وأخبر أنه أنساهم أنفسهم١، فلم يطلبوا كمالها بالعلم النافع والعمل الصالح، وهما الهدى ودين الحق، فأنساهم طلبَ ذلك ومحبته ومعرفته والحرصَ عليه عقوبةً لنسيانهم له.

وقال تعالى في حقهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ١٦ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ١٧﴾ [محمد: ١٦ - ١٧]، فجمع لهم بين اتباع الهوى والضلال الذي هو ثمرته وموجبه كما جمع

  1. (١) في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩].
192

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي