الفوائد

مُباهِتٌ جاحدٌ لما شَهِد به العيانُ وتَناقَلتْهُ القرونُ قرنًا بعد قرنٍ؛ فإنكارُهُ بمنزلةِ إنكارِ وجودِ المشهورينَ من الملوكِ والعلماءِ والبلاد النائية.

ثم عاد سبحانه إلى تقرير المعاد بقوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ [ق: ١٥]؛ يُقالُ لكلِّ من عجز عن شيءٍ: عَيِيَ به، وعَيِيَ فلانٌ بهذا الأمرِ.

قال الشاعر١:

عَيُّوا بأمْرِهِمُ كَماعَيَّتْ بِبَيضَتِها الحَمامَهْ

ومنه قولُه تعالى: ﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ [الأحقاف: ٣٣]. قال ابن عباس: يريدُ: أفَعَجَزْنا؟ وكذلك قال مقاتلٌ.

قلت: هذا تفسيرٌ بلازم اللفظة، وحقيقتُها أعمُّ من ذلك؛ فإنَّ العرب تقولُ: أعياني أن أَعرِف كذا وعَيِيْتُ به: إذا لم تَهْتَدِ لوجهِهِ ولم تقْدِرْ على معرفته وتحصيله، فتقولُ: أعياني دواؤك: إذا لم تهتدِ له ولم تقفْ عليه، ولازم هذا المعنى العجزُ عنه. والبيتُ الذي استشهدوا به شاهدٌ لهذا المعنى؛ فإنَّ الحَمامةَ لم تعْجِزْ عن بَيضتِها، ولكن أعياها إذا أرادت أن تَبِيْضَ أين تَرْمي بالبيضةِ؛ فهي تدورُ وتَجُولُ حتى تَرميَ بها؛ فإذا باضَتْ أعياها أين تَحفظُها وتُودِعُها حتى لا تُنال؛ فهي تَنقُلُها من مكانٍ إلى مكانٍ وتَحَار أين تجعلُ مَقرَّها؛ كما هو حالُ من عَيِيَ٢ بأمرِهِ فلم يدرِ من أين يَقصِدُ له ومن أين يأتيهِ.

وليس المرادُ بالإعياءِ في هذه الآية التعبَ كما يظنُّه من لم يَعرِفْ

  1. (١) البيت لعبيد بن الأبرص في ديوانه (ص ١٣٨) برواية أخرى، وفي لسان العرب (حيا، عيا) بهذه الرواية.
  2. (٢) في الأصل: "اعيى".
11

تفسيرَ القرآنِ، بل هذا المعنى هو الذي نفاه سبحانه عن نفسه في آخر السورة بقوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ٣٨﴾ [ق: ٣٨].

ثم أخبر سبحانه أنهم ﴿فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ١٥﴾ [ق: ١٥]؛ أي: أنهم التبس عليهم إعادةُ الخلق خلقًا جديدًا.

ثم نبَّههم على ما هو من أعظم آيات قدرته وشَواهدِ ربُوبيَّتِهِ وأدلَّة المعادِ، وهو خَلْقُ الإنسانِ؛ فإنَّه من أعظم الأدلة على التوحيد والمعاد، وأيُّ دليلٍ أوضحُ من تركيب هذه الصورة الآدميَّةِ بأعضائها وقُواها وصفاتِها وما فيها من اللحم والعظم والعُروقِ والأعصابِ والرِّباطات والمنافذِ والآلات والعلوم والإرادات والصناعات؛ كل ذلك من نطفةِ ماءٍ؟! فلو أنصفَ العبدُ ربَّه؛ لاكتفى بفكْرِهِ في نفسِه، واستدلَّ بوجودِهِ على جميع ما أخبرتْ به الرسلُ عن اللهِ وأسمائِهِ وصفاتِهِ.

ثم أخبرَ سبحانَه عن إحاطةِ علمِهِ به، حتى عَلِمَ وساوسَ نفسِهِ.

ثم أخبرَ عن قربِهِ إليه بالعلم والإحاطةِ، وأنَّ ذلك أدنى إليه من العِرْقِ الذي هو داخلَ بدنِهِ؛ فهو أقربُ إليه بالقدرةِ عليه والعلم به من ذلك العِرقِ. وقال شيخُنا١: المرادُ بقوله: ﴿نَحْنُ﴾؛ أي: ملائكتُنا؛ كما قال: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ١٨﴾ [القيامة: ١٨]؛ أي: إذا قرأه عليك رسولُنا جبريلُ. قال: ويدلُّ عليه قولُه: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ [ق: ١٧]؛ فقُيِّدَ القربُ المذكورُ بتلقِّي المَلَكَيْنِ، ولو كان المرادُ به قربَ الذاتِ لم يَتَقَيَّدْ بوقتِ تلقِّي الملكين؛ فلا حجَّةَ في الآيةِ لِحُلوليٍّ ولا مُعطِّلٍ.

ثم أخبر سبحانه أنَّ على يميِنِه وشمالِهِ مَلَكين يكتُبانِ أعمالَه

  1. (١) هو شيخ الإسلام ابن تيمية، انظر كلامه في "مجموع الفتاوى" (٥/ ٢٣٤ - ٢٣٥).
12

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي