الفوائد

المحسود، لا حسدُ مَهانةٍ يتمنَّى به زوالَ النعمة عن المحسود.

وللشهوة حدٌّ، وهو راحةُ القلب والعقل من كَدِّ الطاعةِ واكتساب الفضائل والاستعانة بقضائها على ذلك فمتى زادت على ذلك صارت نَهْمةً وشَبَقًا والتحقَ صاحبُها بدرجة الحيوانات، ومتى نقصتْ عنه ولم يكن فراغًا في طلب الكمال والفضل كانت ضعفًا وعجزًا ومهانةً.

وللراحة حدٌّ، وهو إجمامُ النفس والقُوى المدرِكة والفعَّالة للاستعداد للطاعة واكتساب الفضائل وتوفُّرها على ذلك، بحيثُ لا يُضعِفُها الكدُّ والتعبُ ويضعفُ أثرها. فمتى زاد على ذلك صار توانيًا وكسلًا وإضاعةً وفات به أكثرُ مصالح العبد، ومتى نقص عنه صار مُضرًّا بالقُوى مُوهِنًا لها، وربَّما انقطع به؛ كالمُنبتِّ الذي لا أرْضَا قطع ولا ظهرًا أبْقى١.

والجود له حدٌّ بين طرفين؛ فمتى جاوز حدَّه صار إسرافًا وتبذيرًا، ومتى نقصَ عنه كان بُخلًا وتقتيرًا.

وللشجاعة حدٌّ؛ متى جاوزته صارت تهوُّرًا، ومتى نقصتْ عنه صارتْ جُبنًا وخَوَرًا. وحدُّها الإقدام في مواضع الإقدام والإحجامُ في مواضع الإحجام؛ كما قال معاويةُ لعمرو بن العاص: أعياني أن أعرفَ شُجاعًا أنت أم جبانًا٢ تُقدِمُ حتى أقول: من أشجع الناس، وتَجبُن حتى

  1. (١) إشارة إلى الحديث الذي أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٩) عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وإسناده ضعيف، ومعناه صحيح، ويُضرَب مثلًا.
  2. (٢) كذا في الأصل، والصواب: "شجاع أنت أم جبان". والحكاية هنا مقلوبة، وفي المصادر أن عمرو بن العاص قال ذلك لمعاوية، ويُروى أن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد قال ذلك لمعاوية. انظر عيون الأخبار (١/ ١٦٣) والفاضل =
204

أقول: من أجبن الناس؟! فقال:

شُجاعٌ إذا ما أمْكنتْنيَ فُرْصةٌفإن لم تكن لي فُرْصةٌ فجَبانُ

والغيرةُ لها حدُّ؛ إذا جاوزته صارتْ تهمةً وظنًّا سيئًا بالبريء، وإن قصَّرتْ عنه كانت تغافلًا ومبادئ دياثةٍ.

وللتواضع حدٌّ؛ إذا جاوزه كان ذُلًّا ومهانةً، ومن قصَّر عنه انحرف إلى الكبر والفخر.

وللعزِّ حدٌّ؛ إذا جاوزهُ كان كبرًا وخُلُقًا مذمومًا، وإن قصَّرَ عنه انحرف إلى الذُّلِّ والمهانة.

وضابط هذا كُلِّه العدلُ، وهو الأخذُ بالوسطِ الموضوع بين طرفي الإفراط والتفريط، وعليه بناءُ مصالح الدُّنيا والآخرة، بل لا تقوم مصلحة البدن إلَّا به؛ فإنه متى خرج بعضُ أخلاطِه عن العدل وجاوزه أو نقصَ عنه ذهبَ من صحته وقوته بحسب ذلك، وكذلك الأفعال الطبيعيةُ كالنوم والسهر والأكل والشرب والجماع والحركة والرياضة والخلوة والمخالطة وغير ذلك؛ إذا كانت وسطًا بين الطرفين المذمومين كانت عدلًا، وإن انحرفتْ إلى أحدهما كانت نقصًا وأثمرتْ نقصًا.

فمن أشرف العلوم وأنفعها علم الحدود، ولا سيما حدود المشروع المأمور والمنهي؛ فأعلم الناس أعلمهم بتلك الحدود، حتى لا يدخل فيها ما ليس منها ولا يخرج منها ما هو داخلٌ فيها.

  1. = للمبرد (ص ٥٢) والعقد الفريد (١/ ١٩٩) والتذكرة الحمدونية (٢/ ٤٦٦) ولباب الآداب (ص ١٩٣). وفيها البيت الآتي.
205

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي