الفوائد

آخر، وإن كان الواردُ أرجحَ من النافلة فالحزمُ له الاستمرارُ في واردِهِ حتَّى يتوارى عنه؛ فإنه يفوتُ والنافلةُ لا تفوت. وهذا موضعٌ يحتاجُ إلى فضل فقهٍ في الطريق ومراتب الأعمال وتقديم الأهمِّ منها فالأهمِّ. والله الموفقُ لذلك، لا إله غيره ولا ربَّ سواهُ.

فصل

أصلُ الأخلاق المذمومة كلِّها الكِبرُ والمهانة والدَّناءةُ.

وأصلُ الأخلاق المحمودة كلِّها الخشوعُ وعلوُّ الهمَّة.

فالفخرُ والبطرُ والأشرُ والعُجْبُ والحسدُ والبغيُ والخُيَلاءُ والظُّلمُ والقسوةُ والتجبُّرُ والإعراضُ وإباءُ قبول النصيحة والاستئثارُ وطلبُ العلو وحب الجاه والرئاسة وأن يُحمَد بما لم يفعل وأمثالُ ذلك؛ كلُّها ناشئةٌ من الكبر.

وأمَّا الكذبُ والخِسَّةُ والخيانةُ والرِّياءُ والمكرُ والخديعةُ والطمع والفزعُ والجُبْنُ والبخلُ والعجزُ والكسلُ والذُّلُّ لغير الله واستبدالُ الذي هو أدنى بالذي هو خيرٌ ونحوُ ذلك؛ [فكلُّها] من المهانة والدَّناءة وصغر النفس.

وأمَّا الأخلاقُ الفاضلةُ؛ كالصبر والشجاعة والعدل والمروءة والعفَّة والصِّيانة والجود والحلم والعفو والصَّفْح والاحتمال والإيثار وعزَّة النفس عن الدَّناءات والتواضع والقناعة والصِّدق والإخلاص والمكافأة على الإحسان بمثله أو أفضلَ والتغافُل عن زلَّات الناس وترك الاشتغال بما لا يَعنِيه وسلامة القلب من تلك الأخلاق المذمومة ونحو ذلك؛ فكلُّها ناشئةٌ عن الخُشوع وعلوِّ الهمة.

209

والله سبحانه أخبر عن الأرض بأنَّها تكونُ خاشعةً، ثم يَنزِلُ عليها الماء، فتهتزُّ وتربو وتأخذُ زينتها وبهجتها؛ فكذلك المخلوق منها إذا أصابهُ حظُّه من التوفيق.

وأمَّا النارُ فطبعُها العلوُّ والإفسادُ، ثم تخمُدُ فتصيرُ أحقرَ شيءٍ وأذلَّهُ، وكذلك المخلوقُ منها؛ فهي دائمًا بين العلو إذا هاجت واضطربت، وبين الخِسَّة والدَّناءة إذا خَمَدتْ وسكنتْ.

والأخلاق المذمومةُ تابعةٌ للنار والمخلوق منها، والأخلاقُ الفاضلةُ تابعةٌ للأرض والمخلوق منها؛ فمن عَلتْ همَّتُهُ وخشَعتْ نفسُه اتَّصف بكل خلق جميل، ومن دَنَتْ همته وطغَتْ نفسه اتَّصف بكلِّ خلق رذيل.

فصل

المطلبُ الأعلى موقوفٌ حصولُه على همةٍ عاليةٍ ونيةٍ صحيحةٍ؛ فمن فقدهما تعذَّر عليه الوصولُ إليه.

فإن الهمَّة إذا كانت عاليةً تعلَّقتْ به وحده دون غيره، وإذا كانت النيةُ صحيحةً سلك العبدُ الطريقَ الموصلة إليه؛ فالنية تُفرد له الطريقَ، والهمةُ تُفرد له المطلوبَ؛ فإذا توحَّدَ مطلوبه والطريق الموصلة إليه كان الوصولُ غايتَه.

وإذا كانت همَّتُهُ سافلةً تعلقتْ بالسُّفليات ولم تتعلَّق بالمطلب الأعلى، وإذا كانت النيةُ غيرَ صحيحة كانت طريقُهُ غير موصلةٍ إليه.

فمدارُ الشأن على همة العبد ونيَّته، وهما مطلوبُهُ وطريقُهُ، ولا يتمُّ له إلا بتركِ ثلاثة أشياء:

العوائد والرسوم والأوضاع التي أحدثَها الناس.

210

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي