تفسيرَ القرآنِ، بل هذا المعنى هو الذي نفاه سبحانه عن نفسه في آخر السورة بقوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ٣٨﴾[ق: ٣٨].
ثم أخبر سبحانه أنهم ﴿فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ١٥﴾[ق: ١٥]؛ أي: أنهم التبس عليهم إعادةُ الخلق خلقًا جديدًا.
ثم نبَّههم على ما هو من أعظم آيات قدرته وشَواهدِ ربُوبيَّتِهِ وأدلَّة المعادِ، وهو خَلْقُ الإنسانِ؛ فإنَّه من أعظم الأدلة على التوحيد والمعاد، وأيُّ دليلٍ أوضحُ من تركيب هذه الصورة الآدميَّةِ بأعضائها وقُواها وصفاتِها وما فيها من اللحم والعظم والعُروقِ والأعصابِ والرِّباطات والمنافذِ والآلات والعلوم والإرادات والصناعات؛ كل ذلك من نطفةِ ماءٍ؟! فلو أنصفَ العبدُ ربَّه؛ لاكتفى بفكْرِهِ في نفسِه، واستدلَّ بوجودِهِ على جميع ما أخبرتْ به الرسلُ عن اللهِ وأسمائِهِ وصفاتِهِ.
ثم أخبرَ سبحانَه عن إحاطةِ علمِهِ به، حتى عَلِمَ وساوسَ نفسِهِ.
ثم أخبرَ عن قربِهِ إليه بالعلم والإحاطةِ، وأنَّ ذلك أدنى إليه من العِرْقِ الذي هو داخلَ بدنِهِ؛ فهو أقربُ إليه بالقدرةِ عليه والعلم به من ذلك العِرقِ. وقال شيخُنا١: المرادُ بقوله: ﴿نَحْنُ﴾؛ أي: ملائكتُنا؛ كما قال: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ١٨﴾[القيامة: ١٨]؛ أي: إذا قرأه عليك رسولُنا جبريلُ. قال: ويدلُّ عليه قولُه: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾[ق: ١٧]؛ فقُيِّدَ القربُ المذكورُ بتلقِّي المَلَكَيْنِ، ولو كان المرادُ به قربَ الذاتِ لم يَتَقَيَّدْ بوقتِ تلقِّي الملكين؛ فلا حجَّةَ في الآيةِ لِحُلوليٍّ ولا مُعطِّلٍ.
ثم أخبر سبحانه أنَّ على يميِنِه وشمالِهِ مَلَكين يكتُبانِ أعمالَه
(١) هو شيخ الإسلام ابن تيمية، انظر كلامه في "مجموع الفتاوى" (٥/ ٢٣٤ - ٢٣٥).
وأقوالَه، ونبَّه بإحصاءِ الأقوال وكتابتِها على كتابة الأعمال، التي هي أقلُّ وقوعًا وأعظمُ أثرًا من الأقوال، وهي غاياتُ الأقوال ونهايتُها.
ثم أخبر عن القيامةِ الصغرى، وهي سَكْرَةُ الموتِ، وأنها تجيءُ بالحقِّ، وهو: لقاؤُه سبحانَه، والقدومُ عليه، وعَرْضُ الرُّوح عليهِ، والثوابُ والعقابُ الذي تعجَّلَ لها قبلَ القيامة الكبرى.
ثم ذكر القيامة الكبرى بقولهِ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ٢٠﴾[ق: ٢٠].
ثم أخبرَ عن أحوال الخَلْقِ في هذا اليوم، وأنَّ كل أحدٍ يأتي الله سبحانه ذلك اليوم ومعه سائقٌ يَسوقُه وشهيدٌ يَشهدُ عليه، وهذا غير شهادةِ جوارحِهِ، وغيرُ شهادةِ الأرض التي كان عليها له وعليه، وغيرُ شهادةِ رسولِهِ والمؤمنين؛ فإنَّ الله سبحانه يستشهدُ على العبادِ الحفظةَ والأنبياءَ والأمكنةَ التي عملوا عليها الخير والشرَّ، والجلود التي عَصَوْه بها، ولا يَحكُمُ بينهم بمجرَّد علمِهِ؛ وهو أعدلُ العادلينَ وأحكمُ الحاكمين، ولهذا أخبر نبيُّه أنه يحكُمُ بين الناس بما سَمِعَهُ من إقرارِهم وشهادة البيِّنَةِ لا بمجرَّد علمِهِ١؛ فكيف يَسُوغُ لحاكمٍ أن يَحْكُمَ بمجرَّدِ علمِهِ من غيرِ بيِّنةٍ ولا إقرار؟!
ثم أخبر سبحانه أن الإنسان في غفلةٍ من هذا الشأن الذي هو حقيقٌ بأن لا يَغْفُلَ عنه وأن لا يزالَ على ذكرِهِ وبالِهِ، وقال: ﴿فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾[ق: ٢٢]، ولم يقل: عنه؛ كما قال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ٤٥﴾
(١) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري (٢٤٥٨) ومسلم (١٧١٣) عن أم سلمة، وفيه: "فأقضي له على نحوٍ مما أسمعُ منه".