الفوائد

والله سبحانه أخبر عن الأرض بأنَّها تكونُ خاشعةً، ثم يَنزِلُ عليها الماء، فتهتزُّ وتربو وتأخذُ زينتها وبهجتها؛ فكذلك المخلوق منها إذا أصابهُ حظُّه من التوفيق.

وأمَّا النارُ فطبعُها العلوُّ والإفسادُ، ثم تخمُدُ فتصيرُ أحقرَ شيءٍ وأذلَّهُ، وكذلك المخلوقُ منها؛ فهي دائمًا بين العلو إذا هاجت واضطربت، وبين الخِسَّة والدَّناءة إذا خَمَدتْ وسكنتْ.

والأخلاق المذمومةُ تابعةٌ للنار والمخلوق منها، والأخلاقُ الفاضلةُ تابعةٌ للأرض والمخلوق منها؛ فمن عَلتْ همَّتُهُ وخشَعتْ نفسُه اتَّصف بكل خلق جميل، ومن دَنَتْ همته وطغَتْ نفسه اتَّصف بكلِّ خلق رذيل.

فصل

المطلبُ الأعلى موقوفٌ حصولُه على همةٍ عاليةٍ ونيةٍ صحيحةٍ؛ فمن فقدهما تعذَّر عليه الوصولُ إليه.

فإن الهمَّة إذا كانت عاليةً تعلَّقتْ به وحده دون غيره، وإذا كانت النيةُ صحيحةً سلك العبدُ الطريقَ الموصلة إليه؛ فالنية تُفرد له الطريقَ، والهمةُ تُفرد له المطلوبَ؛ فإذا توحَّدَ مطلوبه والطريق الموصلة إليه كان الوصولُ غايتَه.

وإذا كانت همَّتُهُ سافلةً تعلقتْ بالسُّفليات ولم تتعلَّق بالمطلب الأعلى، وإذا كانت النيةُ غيرَ صحيحة كانت طريقُهُ غير موصلةٍ إليه.

فمدارُ الشأن على همة العبد ونيَّته، وهما مطلوبُهُ وطريقُهُ، ولا يتمُّ له إلا بتركِ ثلاثة أشياء:

العوائد والرسوم والأوضاع التي أحدثَها الناس.

210

الثاني: هجرُ العوائق التي تعوقه عن إفراد مطلوبه وطريقه وقطعها.

الثالث: قطع علائق القلب التي تحول بينه وبين تجريد التعلق بالمطلوب.

والفرق بينهما أن العوائق هي الحوادث الخارجية، والعلائق هي التعلُّقات القلبية بالمباحات ونحوها.

وأصل ذلك ترك الفضول التي تَشْغَلُ عن المقصود من الطعام والشراب والمنام والخلطة؛ فيأخذُ من ذلك ما يُعِينه على طلبه، ويرفض منه ما يقطعه عنه أو يُضعِفُ طلبَه.

والله المستعانُ.

فصل: من كلام عبد الله بن مسعود ﵁

• قال رجلٌ عنده: ما أُحِبُّ أن أكون من أصحاب اليمين، أُحِبُّ أن أكون من المقرَّبين! فقال عبد الله: لكن ها هنا رجلٌ ودَّ أنه إذا مات لم يُبْعَثْ. يعني نفسَه١.

• وخرج ذات يوم، فاتَّبَعهُ ناسٌ، فقال لهم: ألكُم حاجةٌ؟ قالوا: لا، ولكن أردنا أن نمشي معك. قال: ارجِعوا فإنه ذِلَّةٌ للتابع وفتنةٌ للمتبوع٢.

• وقال: لو تعلمون مني ما أعلمُ من نفسي لحَثَوتُم على رأسي

  1. (١) انظر الزهد لأحمد (ص ١٥٦) وحلية الأولياء (١/ ١٣٣).
  2. (٢) انظر التواضع والخمول لابن أبي الدنيا (٥٢).
211

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي