الفوائد

ولقائه له ومصيره إليه، وصِغَرُ الدُّنيا في قلبه، وكِبَرُ الآخرة عنده، وحرصُهُ على الملك الكبير والفوز العظيم فيها، وذوقُ حلاوة الطاعة، ووجدُ حلاوة الإيمان، ودعاءُ حملة العرش ومن حوله من الملائكة له، وفرحُ الكاتبين به ودعاؤُهم له كلَّ وقتٍ، والزيادة في عقله وفهمه وإيمانه ومعرفته، وحصول محبة الله له وإقباله عليه وفرحه بتوبته، وهكذا يجازيه بفرح وسرورٍ لا نسبةَ له إلى فرحِه وسروره بالمعصية بوجهٍ من الوجوه. فهذه بعضُ آثار ترك المعاصي في الدُّنيا.

فإذا مات تلقَّتْهُ الملائكةُ بالبُشرى من ربِّه بالجنة، وبأنَّه لا خوف عليه ولا حُزْن، وينتقلُ من سجن الدُّنيا وضيقها إلى روضةٍ من رياض الجنة ينعم فيها إلى يوم القيامة.

فإذا كان يومُ القيامة كان الناسُ في الحرِّ والعرَقِ، وهو في ظلِّ العرش.

فإذا انصرفوا من بين يدي الله أخذَ به ذات اليمين مع أوليائه المتقين وحزبه المفلحين.

و﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].

فصل

ذكر ابنُ سعد في "الطبقات"١ عن عمر بن عبد العزيز: أنه كان إذا خطب على المنبر، فخاف على نفسه العُجْبَ قطعهُ. وإذا كتب كتابًا، فخاف فيه العُجْبَ مزَّقه. ويقولُ: اللهمَّ! إنِّي أعوذُ بك من شرِّ نفسي.

  1. (١) ٥/ ٣٣٢ بمعناه.
223

اعلم أن العبد إذا شرع في قول أو عمل؛ يبتغي به مرضاة الله، مطالعًا فيه منَّةَ الله عليه به وتوفيقَه له فيه، وأنه بالله لا بنفسه ولا بمعرفته وفكره وحوله وقوَّته، بل هو بالذي أنشأ له اللسانَ والقلب والعين والأذن، فالذي منَّ عليه بذلك هو الذي مَنَّ عليه بالقول والفعل؛ فإذا لم يَغِبْ ذلك عن ملاحظته ونظر قلبه لم يَحضُره العُجْبُ الذي أصلُهُ رؤيةُ نفسه وغيَبتُهُ عن شهود مِنَّة ربِّه وتوفيقه وإعانته.

فإذا غابَ عن تلك الملاحظة وَثَبتِ النفسُ وقامت في مقام الدَّعوى، فوقع العُجب، ففسد عليه القول والعملُ: فتارةً يُحال بينه وبين تمامه ويُقطَع عليه، ويكون ذلك رحمةً به، حتى لا يغيب عن مشاهدة المنة والتوفيق. وتارةً يتمُّ له، ولكن لا يكون له ثمرةٌ، وإن أثمَر أثمرَ ثمرةً ضعيفةً غير محصلةٍ للمقصود. وتارةً يكون ضررُه عليها أعظمَ من انتفاعه، ويتولَّدُ له منه مفاسد شتَّى بحسب غيبته عن ملاحظة التوفيق والمنة ورؤيته نفسَه وأن القول والفعل به.

ومن هذا الموضع يُصلِحُ اللَّهُ سبحانه أقوالَ عبده وأعماله ويُعظِم له ثمرتَها أو يُفسِدُها عليه ويمنعه ثمرتها؛ فلا شيءَ أفسدُ للأعمال من العُجْب ورؤية النفس.

فإذا أراد الله بعبده خيرًا أشهده منتَه وتوفيقه وإعانتَه له في كل ما يقوله ويفعله، فلا يُعجَب به، ثم أشهده تقصيره فيه، وأنه لا يرضى لربه به، فيتوب إليه منه ويستغفره ويستحيي أن يطلب عليه أجرًا. وإذا لم يُشهِده ذلك، وغيَّبهُ عنه، فرأى نفسه في العمل، ورآه بعين الكمال والرضى، لم يقع ذلك العمل منه موقع القبول والرِّضى والمحبة.

فالعارفُ يعمل العمل لوجهه، مشاهدًا فيه منته وفضلهُ وتوفيقه،

224

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي