الفوائد

كلهم إليه في الدُّنيا والآخرة:

أمَّا حاجتهم إليه في الدُّنيا فأشدُّ من حاجتهم إلى الطعام والشراب والنفَس الذي به حياةُ أبدانهم.

وأما حاجتهم إليه في الآخرة فإنهم يستشفعون بالرُّسل إلى الله حتَّى يُرِيْحَهم من ضيق مقامهم؛ فكلهم يتأخر عن الشفاعة، فيشفع لهم، وهو الذي يَستفتحُ لهم باب الجنة١.

فصل

من علامات السعادة والفلاح: أن العبد كلما زِيدَ في علمه زيد في تواضعه ورحمته، وكلما زيد في عمله زيد في خوفه وحذره، وكلما زيد في عمره نقصَ من حرصه، وكلما زيد في ماله زيد في سخائه وبذله، وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في قُربه من الناس وقضاءِ حوائجهم والتواضع لهم.

وعلاماتُ الشقاوة: أنه كلما زيد في علمه زيد في كِبْره وتِيْهِه، وكلما زيد في عمله زيد في فخره واحتقاره للناس وحسن ظنِّه بنفسه، وكلما زيد في عمره زيد في حرصه، وكلما زيد في مالِه زيد في بخله وإمساكِه، وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في كبره وتيهه.

وهذه الأمورُ ابتلاءٌ من الله وامتحانٌ يَبْتَلي بها عبادَه فيَسعَدُ بها أقوامٌ ويَشقى بها أقوامٌ.

  1. (١) حديث الشفاعة سبق تخريجه، وحديث استفتاح باب الجنة أخرجه مسلم (١٩٧) عن أنس.
227

وكذلك الكراماتُ امتحانٌ وابتلاءٌ كالملك والسلطان والمال؛ قال تعالى عن نبيه سليمان لما رأى عرش بلقيس عنده: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠].

فالنعم ابتلاءٌ من الله وامتحانٌ يظهر به شكر الشكور وكفر الكفور؛ كما أن المحن بلوى منه سبحانه؛ فهو يبتلي بالنعم كما يبتلي بالمصائب.

قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ١٥ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ١٦ كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧]؛ أي ليس كل من وسَّعتُ عليه وأكرمتُه ونعَّمته يكون ذلك إكرامًا مني له، ولا كل من ضيَّقتُ عليه رزقه وأبليتُه يكون ذلك إهانةً مني له.

فصل

من أراد علوَّ بنيانه فعليه بتوثيق أساسه وإحكامه وشدة الاعتناء به؛ فإن علو البنيان على قدر توثيق الأساس وإحكامه.

فالأعمال والدرجات بنيانٌ، وأساسها الإيمان، ومتى كان الأساس وثيقًا حملَ البنيانَ واعتلى عليه، وإذا تهدَّم شيءٌ من البنيان سهُل تداركُه، وإذا كان الأساس غير وثيق لم يرتفع البنيانُ ولم يثبتْ، وإذا تهدَّم شيءٌ من الأساس سقط البنيانُ أو كاد.

فالعارف همَّته تصحيح الأساس وإحكامه، والجاهلُ يرفع في البناء عن غير أساس؛ فلا يلبث بنيانه أن يسقط.

قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ١٠٩].

فالأساسُ لبناء الأعمال كالقوة لبدن الإنسان؛ فإذا كانت القوة قويَّةً

228

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي