الفوائد

وكذلك الكراماتُ امتحانٌ وابتلاءٌ كالملك والسلطان والمال؛ قال تعالى عن نبيه سليمان لما رأى عرش بلقيس عنده: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠].

فالنعم ابتلاءٌ من الله وامتحانٌ يظهر به شكر الشكور وكفر الكفور؛ كما أن المحن بلوى منه سبحانه؛ فهو يبتلي بالنعم كما يبتلي بالمصائب.

قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ١٥ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ١٦ كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧]؛ أي ليس كل من وسَّعتُ عليه وأكرمتُه ونعَّمته يكون ذلك إكرامًا مني له، ولا كل من ضيَّقتُ عليه رزقه وأبليتُه يكون ذلك إهانةً مني له.

فصل

من أراد علوَّ بنيانه فعليه بتوثيق أساسه وإحكامه وشدة الاعتناء به؛ فإن علو البنيان على قدر توثيق الأساس وإحكامه.

فالأعمال والدرجات بنيانٌ، وأساسها الإيمان، ومتى كان الأساس وثيقًا حملَ البنيانَ واعتلى عليه، وإذا تهدَّم شيءٌ من البنيان سهُل تداركُه، وإذا كان الأساس غير وثيق لم يرتفع البنيانُ ولم يثبتْ، وإذا تهدَّم شيءٌ من الأساس سقط البنيانُ أو كاد.

فالعارف همَّته تصحيح الأساس وإحكامه، والجاهلُ يرفع في البناء عن غير أساس؛ فلا يلبث بنيانه أن يسقط.

قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ١٠٩].

فالأساسُ لبناء الأعمال كالقوة لبدن الإنسان؛ فإذا كانت القوة قويَّةً

228

حملت البدنَ ودفعتْ عنه كثيرًا من الآفات، وإذا كانت القوة ضعيفةً ضعُف حملُها للبدن وكانت الآفاتُ إليه أسرع شيءٍ.

فاحملْ بنيانَك على قوَّة أساس الإيمان؛ فإذا تشعَّثَ شيءٌ من أعالي البناء وسطحه كان تداركه أسهلَ عليك من خراب الأساس.

وهذا الأساس أمران: صحةُ المعرفة بالله وأمره وأسمائه وصفاته. والثاني: تجريدُ الانقياد له ولرسوله دون ما سواه. فهذا أوثق أساسٍ أسَّس العبدُ عليه بنيانَه، وبحسبه يعتلي البناء ما شاء.

فأحْكِم الأساسَ، واحفظ القوة، ودُمْ على الحِمْية، واستفرِغْ إذا زاد بك الخلط، والقصدَ القصدَ وقد بلغتَ المراد، وإلَّا فما دامت القوة ضعيفةً والمادةُ الفاسدة موجودةً والاستفراغُ معدومًا:

فاقْرَ السَّلامَ على الحياة فإنَّهاقد آذنتْك بسرعةِ التَّوْديعِ

فإذا كملَ البناءُ؛ فبيِّضْه بحسن الخلق والإحسان إلى الناس، ثم حُطْهُ بسُورٍ من الحذر لا يقتحمه عدوٌّ ولا تبدو منه العورة، ثم أَرْخِ السُّتورَ على أبوابه، ثم أقْفِلِ البابَ الأعظم بالسكوت عما تخشى عاقبته، ثم رَكِّبْ له مفتاحًا من ذكر الله به تفتحه وتغلقه؛ فإن فتحتَ فتحتَ بالمفتاح، وإن أغلقتَ الباب أغلقتَه به، فتكون حينئذٍ قد بنيتَ حِصنًا تحصَّنتَ فيه من أعدائك؛ إذا طاف به العدو لم يجد منه مدخلًا، فييأس منك.

ثم تعاهدْ بناءَ الحصن كلَّ وقت؛ فإن العدو إذا لم يطمع في الدخول من الباب نَقَبَ عليك النقوبَ من بعيد بمعاول الذُّنوب. فإن أهملتَ أمرهُ وصل إليك النَّقبُ؛ فإذا العدو معك في داخل الحصن، فيصعب عليك

229

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي