فإذا استحكم هذا الاعتقاد في قلوبهم وتخمَّر في نفوسهم؛ صاروا إذا أُمروا بالطاعات وهَجْر اللَّذَّات بمنزلة إنسان جعل يقول لولده: معلمك إن كتبتَ وأحسنتَ وتأدبت ولم تَعصه ربما أقام لك حجةً وعاقبك، وإن كسلتَ وبطلتَ وتعطلتَ وتركتَ ما أمرك به ربما قرَّبك وأكرمك! فيُودِعُ بهذا القول قلبَ الصبي ما لا يثق بعده إلى وعيدِ المعلم على الإساءة ولا وعدِه على الإحسان! وإن كبرَ الصبيُّ وصلح للمعاملات والمناصب قال له: هذا سلطان بلدنا؛ يأخذُ اللصَّ من الحبس فيجعله وزيرًا أميرًا، ويأخذ الكيِّسَ المحسن لشغله فيُخلّدُهُ الحبسَ ويقتله ويصلبه! فإذا قال له ذلك أوحشه من سلطانه، وجعله على غير ثقة من وعده ووعيده، وأزال محبته من قلبه، وجعله يخافه مخافةَ الظالم الذي يأخذ المحسنَ بالعقوبة والبريء بالعذاب، فأفلسَ هذا المسكينُ من اعتقاد كون الأعمال نافعة أو ضارة؛ فلا بفعل الخير يستأنس ولا بفعل الشر يستوحش!
وهل في التنفير عن الله وتبغيضه إلى عباده أكثر من هذا؟!
ولو اجتهد الملاحدة على تبغيض الدين والتنفير عن الله لما أَتوا بأكثر من هذا؟!
وصاحب هذه الطريقة يظن أنه يقرر التوحيد والقدر ويردُّ على أهل البدع وينصر الدين، ولعَمْر اللهِ العدوُّ العاقل أقل ضررًا من الصديق الجاهل.
وكتبُ الله المنزلة كلها ورسلُه كلهم شاهدةٌ بضد ذلك، ولا سيما القرآن؛ فلو سَلَكَ الدعاءَ المسلكَ الذي دعا الله ورسوله ﷺ به الناسَ إليه لصلحَ العالمُ صلاحًا لا فساد معه.
فالله سبحانه أخبر -وهو الصادق الوفيُّ- أنه إنما يُعامل الناسَ بكسبهم، ويُجازيهم بأعمالهم، ولا يَخاف المحسنُ لديه ظلمًا ولا هَضْمًا، ولا يخاف بخسًا ولا رَهَقًا، ولا يُضيّع عملَ محسن أبدًا، ولا يُضيّع على العبد مثقالَ ذرة ولا يَظلمها ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ٤٠﴾[النساء: ٤٠]، وإن كان مثقال حبة من خردل جازاه بها ولا يُضيعها عليه، وأنه يجزي بالسيئة مثلها ويُحبِطها بالتوبة والندم والاستغفار والحسنات والمصائب، ويَجزي بالحسنة عشرَ أمثالها ويُضاعفها إلى سبع مئة ضعفٍ إلى أضعاف كثيرة، وهو الذي أصلح الفاسدين، وأقبل بقلوب المعرضين، وتاب على المذنبين، وهَدى الضالين، وأنقذ الهالكين، وعلَّم الجاهلين، وبصَّر المتحيرين، وذكّر الغافلين، وآوى الشاردين، وإذا أوقع عقابًا أوقعه بعد شدة التمرد والعتوّ عليه ودعوة العبد إلى الرجوع إليه والإقرار بربوبيته وحقه مرة بعد مرة، حتى إذا أيِسَ من استجابته والإقرار بربوبيته ووحدانيته؛ أخذه ببعض كفره وعتوه وتمرده؛ بحيث يَعذِرُ العبدُ من نفسه ويعترف بأنه سبحانه لم يظلمه وأنه هو الظالم لنفسه.
كما قال تعالى عن أهل النار: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ ١١﴾[الملك: ١١].
وقال عمن أهلكهم في الدنيا: إنهم لما رأوا آياته وأحسوا بعذابه قالوا: ﴿يَاوَيلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ١٤ فَمَا زَالتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ ١٥﴾[الأنبياء: ١٤ - ١٥].
وقال أصحاب الجنة التي أفسدها عليهم لما رأوها قالوا: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ٢٩﴾[القلم: ٢٩].