الفوائد

• والشركُ والكذبُ والرياءُ شجرةٌ في القلب؛ ثمرها في الدنيا الخوف والهمُّ والغمّ وضيق الصدر وظلمةُ القلب، وثمرها في الآخرة الزقُّوم والعذابُ المقيم.

وقد ذكر الله هاتين الشجرتين في سورة إبراهيم.

فصل

إذا بلغ العبد أُعطِيَ عهدَه الذي عَهِدَه إليه خالقه ومالكه.

فإذا أخذ عهده بقوة وقبول وعزمٍ على تنفيذ ما فيه؛ صَلُح للمراتب والمناصب التي يَصلُح لها الموفون بعهودهم.

فإذا هزَّ نفسه عند أخذ العهد وانتخاها وقال: قد أُهِّلتُ لعهد ربي؛ فمن أولى بقبوله وفهمه وتنفيذه مني؟! فحَرَصَ أولًا على فهم عهده وتدبره وتعرفه وصايا سيده له، ثم وطَّن نفسَه على امتثال ما في عهده والعمل به وتنفيذه حسبما تضمنه عهده، فأبصر بقلبه حقيقة العهد وما تضمَّنه، فاستحدث همَّةً أخرى وعزيمةً غير العزيمة التي كان فيها وقت الصِّبا قبل وصول العهد، فاستقال من ظلمة غِرَّةِ الصِّبا والانقياد للعادة والمنشأ، وصبر على شرف الهمة، وهتكَ ستر الظلمة إلى نور اليقين، فأدرك بقدر صبره وصدق اجتهاده ما وهبه الله له من فضله.

فأوَّلُ مراتب سعادته أن تكون له أذنٌ واعيةٌ وقلبٌ يَعقِل ما تَعِيْه الأذُن.

فإذا سمع، وعقلَ، واستبانتْ له الجادَّة، ورأى عليها تلك الأعلامَ، ورأى أكثر الناس منحرفين عنها يمينًا وشمالًا، فلزمها، ولم ينحرف مع

241

المنحرفين، الذين كان سببُ انحرافهم عدمَ قبول العهد، أو قبلوه بكُرهٍ ولم يأخذوه بقوةٍ ولا عزيمةٍ ولا حدَّثوا أنفسَهم بفهمه وتدبره والعمل بما فيه وتنفيذ وصاياه، بل عُرِضَ عليهم العهدُ ومعهم ضَراوة الصبا ودين العادة وما ألفوا عليه الآباء والأمهات، فتلقَّوا العهدَ تلقيَ من هو مكتفٍ بما وجدَ عليه آباءه وسلفه وعادتهم، لا تلقّي من يجمع همَّه وقلبه على فهم العهد والعمل به، حتى كأن ذلك العهد أتاه وحده وقيل له: تأملْ ما فيه ثم اعملْ بموجبه! فإذا لم يتلقَّ عهدَه هذا التلقي أخلَد إلى سيرة القرابة وما استمرت عليه عادة أهله وأصحابه وجيرانه وأهل بلده! فإن عَلَتْ همته أخلد إلى ما عليه سلفه ومن تقدمه من غير التفاتٍ إلى تدبر العهد وفهمه، فرضي لنفسه أن يكون دينه دينَ العادة! فإذا شامَه الشيطان، ورأى هذا مبلغَ همته وعزيمته؛ رماه بالعصبية والحمية للآباء وسلفه، وزيَّن له أن هذا هو الحق وما خالفه باطلٌ، ومثَّل له الهدى في صورة الضلال والضلالَ في صورة الهدى بتلك العصبية والحمية التي أُسِّستْ على غير علم، فرِضاه أن يكون مع عشيرته وقومه له ما لهم وعليه ما عليهم، فخُذِل عن الهدى، وولَّاه الله ما تولى؛ فلو جاءه كل هدى يخالف قومَه وعشيرته لم يَره إلا ضلالة.

وإذا كانت همته أعلى من ذلك ونفسه أشرف وقدره أعلى أقبلَ على حفظ عهده وفهمه وتدبره، وعلم أن لصاحب العهد شأنًا ليس كشأن غيره، فأخذ نفسه بمعرفته من نفس العهد، فوجدَه قد تعرف إليه وعرَّفه نفسَه وصفاتِه وأسماءه وأفعاله وأحكامه، فعرف من ذلك العهد: قيومًا بنفسه مقيمًا لغيره، غنيًّا عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه، مستوٍ على عرشه فوق جميع خلقه، يرى ويسمع، ويرضى ويغضب، ويحب ويبغضُ، ويدبر أمر مملكته وهو فوق عرشه متكلمٌ آمرٌ ناهٍ، يُرسل رسلَه

242

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي