الفوائد

المنحرفين، الذين كان سببُ انحرافهم عدمَ قبول العهد، أو قبلوه بكُرهٍ ولم يأخذوه بقوةٍ ولا عزيمةٍ ولا حدَّثوا أنفسَهم بفهمه وتدبره والعمل بما فيه وتنفيذ وصاياه، بل عُرِضَ عليهم العهدُ ومعهم ضَراوة الصبا ودين العادة وما ألفوا عليه الآباء والأمهات، فتلقَّوا العهدَ تلقيَ من هو مكتفٍ بما وجدَ عليه آباءه وسلفه وعادتهم، لا تلقّي من يجمع همَّه وقلبه على فهم العهد والعمل به، حتى كأن ذلك العهد أتاه وحده وقيل له: تأملْ ما فيه ثم اعملْ بموجبه! فإذا لم يتلقَّ عهدَه هذا التلقي أخلَد إلى سيرة القرابة وما استمرت عليه عادة أهله وأصحابه وجيرانه وأهل بلده! فإن عَلَتْ همته أخلد إلى ما عليه سلفه ومن تقدمه من غير التفاتٍ إلى تدبر العهد وفهمه، فرضي لنفسه أن يكون دينه دينَ العادة! فإذا شامَه الشيطان، ورأى هذا مبلغَ همته وعزيمته؛ رماه بالعصبية والحمية للآباء وسلفه، وزيَّن له أن هذا هو الحق وما خالفه باطلٌ، ومثَّل له الهدى في صورة الضلال والضلالَ في صورة الهدى بتلك العصبية والحمية التي أُسِّستْ على غير علم، فرِضاه أن يكون مع عشيرته وقومه له ما لهم وعليه ما عليهم، فخُذِل عن الهدى، وولَّاه الله ما تولى؛ فلو جاءه كل هدى يخالف قومَه وعشيرته لم يَره إلا ضلالة.

وإذا كانت همته أعلى من ذلك ونفسه أشرف وقدره أعلى أقبلَ على حفظ عهده وفهمه وتدبره، وعلم أن لصاحب العهد شأنًا ليس كشأن غيره، فأخذ نفسه بمعرفته من نفس العهد، فوجدَه قد تعرف إليه وعرَّفه نفسَه وصفاتِه وأسماءه وأفعاله وأحكامه، فعرف من ذلك العهد: قيومًا بنفسه مقيمًا لغيره، غنيًّا عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه، مستوٍ على عرشه فوق جميع خلقه، يرى ويسمع، ويرضى ويغضب، ويحب ويبغضُ، ويدبر أمر مملكته وهو فوق عرشه متكلمٌ آمرٌ ناهٍ، يُرسل رسلَه

242

إلى أقطار مملكته بكلامه الذي يُسمِعه من يشاء من خلقه، وأنه قائمٌ بالقسط مُجازٍ بالإحسان والإساءة، وأنه حليمٌ غفور شكور جوادٌ محسنٌ، موصوفٌ بكل كمال، منزَّهٌ عن كل عيب ونقص، وأنه لا مِثلَ له، ويشهد حكمته في تدبير مملكته، وكيف يقدر مقاديره بمشيئةٍ غير مضادةٍ لعدله وحكمته، وتظاهر عنده العقل والشرع والفطرة فصدَّق كل منهما صاحبيه، وفَهِمَ عن الله سبحانه ما وصف به نفسه في كتابه من حقائق أسمائه التي بها نزل الكتاب وبها نطقَ ولها أثبتَ وحققَ وبها تعرَّفَ إلى عباده حتى أقرَّتْ به العقولُ وشهدتْ به الفِطرُ.

فإذا عرفَ بقلبه وتيقنَ صفاتِ صاحب العهد أشرقَتْ أنوارها على قلبه فصارت كالمعاينة له:

فرأى حينئذ تعلُّقَها بالخلق والأمر وارتباطهما بها وسريانَ آثارهما١ في العالم الحسي والعالم الروحي.

ورأى تصرفها في الخلائق؛ كيف عمَّتْ وخصَّتْ وقرَّبتْ وأَبعدتْ وأعطتْ ومنعتْ، فشاهد بقلبه مواقع عدله سبحانه وقسطه وفضله ورحمته، واجتمع له الإيمان بلزوم حجته مع نفوذ أقضيته، وكمال قدرته مع كمال عدله وحكمته، ونهاية علوه على جميع خلقه مع إحاطته، ومعيته، وعظمته وجلاله وكبريائه وبطشه وانتقامه مع رحمته وبره ولطفه وجُوده وعفوه وحلمه.

ورأى لزومَ الحجة مع قهر المقادير التي لا خروجَ لمخلوق عنها، وكيف اصطحاب الصفات وتوافقُها وشهادة بعضها لبعض، وانعطاف

  1. (١) في الأصل: "آثارها".
243

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي