وقد قال أعرفُ الخلق به: "لا أُحصِي ثناء عليك أنتَ كما أثنيتَ على نفسك"١، وأخبر أنه سبحانه يفتح عليه يوم القيامة من محامده بما لا يحسنه الآن.
• ولهذه المعرفة بابان واسعان:
باب التفكر والتأمل في آيات القرآن كلها، والفهم الخاص عن الله ورسوله.
والباب الثاني: التفكر في آياته المشهودة، وتأملُ حكمتِه فيها وقدرته ولطفه وإحسانه وعدله وقيامه بالقسط على خلقه.
وجِماعُ ذلك: الفقه في معاني أسمائه الحسنى وجلالها وكمالها وتفرده بذلك وتعلقها بالخلق والأمر؛ فيكون فقيهًا في أوامره ونواهيه، فقيهًا في قضائه وقدره، فقيهًا في أسمائه وصفاته، فقيهًا في الحكم الديني الشرعي والحكم الكوني القدري، و﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ٢١﴾[الحديد: ٢١].
فصل
الدراهم أربعةٌ: درهمٌ اكتُسِبَ بطاعة الله وأُخرِج في حقِّ الله؛ فذاك خير الدراهم، ودرهم اكتُسِب بمعصية الله وأُخرج في معصية الله؛ فذاك شر الدراهم، ودرهم اكتُسِب بأذى مسلم وأخرج في أذى مسلم؛ فهو كذلك، ودرهم اكتسب بمباح وأُنفق في شهوة مباحة؛ فذاك لا له ولا عليه.
(١) قطعة من حديث أخرجه مسلم (٤٨٦) عن عائشة.
هذه أصول الدراهم، ويَتفرَّعُ عليها دراهمُ أُخر؛ منها: درهم اكتُسِب بحق وأُنفِق في باطل. ودرهم اكتُسِب بباطل وأنفق في حق؛ فإنفاقه كفارته. ودرهم اكتُسِب من شبهة؛ فكفارته أن ينفق في طاعة.
وكما يتعلق الثواب والعقاب والمدح والذم بإخراج الدرهم؛ فكذلك يتعلق باكتسابه.
وكذلك يُسأَل عن مستخرجه ومصروفه؛ من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه١؟
وعلى قدر الإيمان تكون هذه المواساة؛ فكلما ضَعُفَ الإيمان ضعفت المواساةُ، وكلما قوي قويتْ.
وكان رسول الله ﷺ أعظمَ الناس مواساةً لأصحابه بذلك كله؛ فلأتباعه من المواساة بحسب اتباعهم له.
ودخلوا على بِشر الحافي في يوم شديد البرد، وقد تجرَّد، وهو يَنتفِضُ، فقالوا: ما هذا يا أبا نصر؟ فقال: ذكرتُ الفقراء وبردَهم، وليس لي ما أواسيهم به، فأحببتُ أن أواسيَهم في بردهم.
(١) إشارة إلى الحديث الذي أخرجه الترمذي (٢٤١٧) عن أبي برزة الأسلمي، وقال: حسن صحيح.