الفوائد

واعلم أن الخطراتِ والوساوسَ تُؤدِّي متعلقاتُها إلى الفكر، فيأخذها الفكر فيؤدِّيها إلى التذكُّر، فيأخذها الذِّكر فيؤدِّيها إلى الإرادة، فتأخذها الإرادة فتؤدِّيها إلى الجوارح والعمل، فتستحكم فتصير عادة، فردُّها من مبادئها أسهلُ من قطعها بعد قوتها وتمامها.

ومعلوم أنه لم يُعطَ الإنسانُ إماتةَ الخواطر ولا القوةَ على قطعها؛ فإنها تَهجُم عليه هجومَ النفس؛ إلَّا أن قوة الإيمان والعقل تُعِينُهُ على قبول أحسنها ورضاه به ومساكنته له، وعلى دَفْع أقبحها وكراهته له ونفرته منه؛ كما قال الصحابة: يا رسول الله! إن أحدنا يجد في نفسه ما لأن يَحترِقَ حتى يصير حُمَمةً أحبُّ إليه من أن يتكلم به؟ فقال: "أوقد وجدتموه؟ ". قالوا: نعم. قال: "ذاك صريح الإيمان"١. وفي لفظ: "الحمد لله الذي ردَّ كيدَه إلى الوسوسة"٢.

وفيه قولان:

أحدهما: أن ردَّه وكراهته صريح الإيمان.

والثاني: أن وجوده وإلقاء الشيطان له في النفس صريح الإيمان؛ فإنه إنما ألقاهُ في النفس طلبًا لمعارضة الإيمان وإزالته به.

وقد خلق الله سبحانه النفس شبيهةً بالرَّحى الدائرة التي لا تَسكُن ولا بد لها من شيء تطحنه؛ فإذا وُضع فيها حَبٌّ طحنتْه، وإن وُضع فيها ترابٌ أو حصى طحنتْه. فالأفكار والخواطر التي تجول في النفس هي

  1. (١) أخرجه مسلم (١٣٢) عن أبي هريرة.
  2. (٢) أخرجه أحمد (١/ ٢٣٥، ٣٤٠) وأبو داود (٥١١٢) عن ابن عباس، وإسناده صحيح.
254

بمنزلة الحب الذي يوضع في الرَّحى، ولا تبقى تلك الرحى معطلةً قط، بل لا بد لها من شيءٍ يوضع فيها؛ فمن الناس من تطحن رحاه حَبًّا يخرج دقيقًا ينفع به نفسَه وغيره، وأكثرهم يطحن رملًا وحصىً وتْبِنًا ونحو ذلك، فإذا جاء وقت العَجْن والخَبْز تبيَّن له حقيقةُ طحينه.

فصل

فإذا دفعتَ الخاطر الوارد عليك اندفعَ عنك ما بعده، وإن قبلتَه صار فكرًا جوالًا، فاستخدَم الإرادةَ، فتساعدتْ هي والفكر على استخدام الجوارح؛ فإن تعذَّر استخدامُها رجعا إلى القلب بالمُنَى والشهوة وتَوجُّهِه إلى جهة المراد.

ومن المعلوم أن إصلاح الخواطر أسهلُ من إصلاح الأفكار، وإصلاح الأفكار أسهل من إصلاح الإرادات، وإصلاح الإرادات أسهل من تدارك فساد العمل، وتداركه أسهل من قطع العوائد.

فأنفع الدواء أن تَشغلَ نفسَك بالفكر فيما يَعنِيك دون ما لا يَعنِيك؛ فالفكر فيما لا يعني باب كل شر، ومن فكر فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه، واشتغل عن أنفع الأشياء له بما لا منفعة له فيه.

فالفكر والخواطر والإرادة والهمة أحقُّ شيءٍ بإصلاحه من نفسك؛ فإن هذه خاصتك وحقيقتك التي تبتعدُ بها أو تقرُبُ من إلهك ومعبودك الذي لا سعادةَ لك إلا في قربه ورضاه عنك، وكلُّ الشقاء في بعدك عنه وسخطِه عليك.

ومن كان في خواطره ومجالاتِ فكره دنيئًا خسيسًا لم يكن في سائر أمره إلا كذلك.

255

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي