الفوائد

بمنزلة الحب الذي يوضع في الرَّحى، ولا تبقى تلك الرحى معطلةً قط، بل لا بد لها من شيءٍ يوضع فيها؛ فمن الناس من تطحن رحاه حَبًّا يخرج دقيقًا ينفع به نفسَه وغيره، وأكثرهم يطحن رملًا وحصىً وتْبِنًا ونحو ذلك، فإذا جاء وقت العَجْن والخَبْز تبيَّن له حقيقةُ طحينه.

فصل

فإذا دفعتَ الخاطر الوارد عليك اندفعَ عنك ما بعده، وإن قبلتَه صار فكرًا جوالًا، فاستخدَم الإرادةَ، فتساعدتْ هي والفكر على استخدام الجوارح؛ فإن تعذَّر استخدامُها رجعا إلى القلب بالمُنَى والشهوة وتَوجُّهِه إلى جهة المراد.

ومن المعلوم أن إصلاح الخواطر أسهلُ من إصلاح الأفكار، وإصلاح الأفكار أسهل من إصلاح الإرادات، وإصلاح الإرادات أسهل من تدارك فساد العمل، وتداركه أسهل من قطع العوائد.

فأنفع الدواء أن تَشغلَ نفسَك بالفكر فيما يَعنِيك دون ما لا يَعنِيك؛ فالفكر فيما لا يعني باب كل شر، ومن فكر فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه، واشتغل عن أنفع الأشياء له بما لا منفعة له فيه.

فالفكر والخواطر والإرادة والهمة أحقُّ شيءٍ بإصلاحه من نفسك؛ فإن هذه خاصتك وحقيقتك التي تبتعدُ بها أو تقرُبُ من إلهك ومعبودك الذي لا سعادةَ لك إلا في قربه ورضاه عنك، وكلُّ الشقاء في بعدك عنه وسخطِه عليك.

ومن كان في خواطره ومجالاتِ فكره دنيئًا خسيسًا لم يكن في سائر أمره إلا كذلك.

255

وإياك أن تُمكِّن الشيطانَ من بيت أفكارك وإرادتك؛ فإنه يُفسِدها عليك فسادًا يَصعُب تداركُه، ويُلقِي إليك أنواعَ الوساوس والأَفكار المضرة، ويَحُول بينك وبين الفكر فيما ينفعك، وأنت الذي أعنتَه على نفسك بتمكينه من قلبك وخواطرك فملكها عليك؛ فمثالك معه مثال صاحب رحًى يطحن فيها جيدَ الحبوب، فأتاه شخصٌ معه حِمْلُ ترابٍ وبَعرٍ وفحم وغُثاء ليطحنه في طاحونه؛ فإن طرده ولم يُمكِّنه من إلقاء ما معه في الطاحون استمرَّ على طحن ما ينفعه، وإن مكنَّه من إلقاء ذلك في الطاحون أفسدَ ما فيها من الحَبّ وخرج الطحين كله فاسدًا.

والذي يُلقِيه الشيطانُ في النفس لا يَخرُج عن الفكر فيما كان ودخل في الوجود لو كان على خلاف ذلك، وفيما لم يكن لو كان كيف كان يكون، أو فيما لم يملك الفكر فيه من أنواع الفواحش والحرام، أو في خيالات وهميةٍ لا حقيقة لها، إمّا في باطل، أو فيما لا سبيل إلى إدراكه من أنواع ما طُوي عنه علمه، فيُلقِيه في تلك الخواطر التي لا يبلغ منها غايةً ولا يقف منها على نهايةٍ، فيجعل ذلك مجال فكره ومسرحَ وهمِه.

وجِمَاع إصلاح ذلك: أن تَشغَل فكرَك في باب العلوم والتصورات بمعرفةَ ما يلزمك من التوحيد وحقوقه، وفي الموت وما بعده إلى دخول الجنة والنار، وفي آفات الأعمال وطرق التحرُّز منها. وفي باب الإرادات والعُزوم أن تَشغَل نفسَك بإرادة ما ينفعك إرادته، وطَرْحِ إرادة ما يضرُّك إرادتُهُ.

وعند العارفين أن تمني الخيانة وإشغال الفكر والقلب بها أضرُّ على القلب من نفس الخيانة، ولا سيما إذا فرغ قلبه منها بعد مباشرتها؛ فإن تمنّيها يَشغَل القلبَ بها ويملؤه منها ويجعلها همَّه ومرادهُ.

256

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي