الفوائد

وإياك أن تُمكِّن الشيطانَ من بيت أفكارك وإرادتك؛ فإنه يُفسِدها عليك فسادًا يَصعُب تداركُه، ويُلقِي إليك أنواعَ الوساوس والأَفكار المضرة، ويَحُول بينك وبين الفكر فيما ينفعك، وأنت الذي أعنتَه على نفسك بتمكينه من قلبك وخواطرك فملكها عليك؛ فمثالك معه مثال صاحب رحًى يطحن فيها جيدَ الحبوب، فأتاه شخصٌ معه حِمْلُ ترابٍ وبَعرٍ وفحم وغُثاء ليطحنه في طاحونه؛ فإن طرده ولم يُمكِّنه من إلقاء ما معه في الطاحون استمرَّ على طحن ما ينفعه، وإن مكنَّه من إلقاء ذلك في الطاحون أفسدَ ما فيها من الحَبّ وخرج الطحين كله فاسدًا.

والذي يُلقِيه الشيطانُ في النفس لا يَخرُج عن الفكر فيما كان ودخل في الوجود لو كان على خلاف ذلك، وفيما لم يكن لو كان كيف كان يكون، أو فيما لم يملك الفكر فيه من أنواع الفواحش والحرام، أو في خيالات وهميةٍ لا حقيقة لها، إمّا في باطل، أو فيما لا سبيل إلى إدراكه من أنواع ما طُوي عنه علمه، فيُلقِيه في تلك الخواطر التي لا يبلغ منها غايةً ولا يقف منها على نهايةٍ، فيجعل ذلك مجال فكره ومسرحَ وهمِه.

وجِمَاع إصلاح ذلك: أن تَشغَل فكرَك في باب العلوم والتصورات بمعرفةَ ما يلزمك من التوحيد وحقوقه، وفي الموت وما بعده إلى دخول الجنة والنار، وفي آفات الأعمال وطرق التحرُّز منها. وفي باب الإرادات والعُزوم أن تَشغَل نفسَك بإرادة ما ينفعك إرادته، وطَرْحِ إرادة ما يضرُّك إرادتُهُ.

وعند العارفين أن تمني الخيانة وإشغال الفكر والقلب بها أضرُّ على القلب من نفس الخيانة، ولا سيما إذا فرغ قلبه منها بعد مباشرتها؛ فإن تمنّيها يَشغَل القلبَ بها ويملؤه منها ويجعلها همَّه ومرادهُ.

256

وأنت تجد في الشاهد: الملِك من البشر إذا كان في بعض حاشيته وخَدَمِه من هو مُتمنٍّ لخيانته مشغول القلب والفكر بها ممتلئٌ منها، وهو مع ذلك في خدمته وقضاء أشغاله؛ فإذا اطلع على سرِّه وقصدِه مَقَتَه غايةَ المقت، وأبغضَه، وقابله بما يستحقه، وكان أبغضَ إليه من رجل بعيد عنه جَنَى بعضَ الجنايات وقلبُه وسِرُّه مع الملك غير منطوٍ على تمني الخيانة ومحبتها والحرص عليها؛ فالأول يتركها عجزًا واشتغالًا بما هو فيه وقلبه ممتلئٌ بها، والثاني يفعلها وقلبه كارهٌ لها ليس فيه إضمارُ الخيانة ولا الإصرار عليها؛ فهذا أحسنُ حالًا وأسلمُ عاقبةً من الأول.

وبالجملة فالقلب لا يخلو قطُّ من الفكر: إما في واجب آخرته ومصالحها، وإما في مصالح دنياه ومعاشه، وإما في الوساوس والأماني الباطلة والمقدَّرات المفروضة.

وقد تقدَّم أن النفس مَثلُها كمثل الرَّحَى تدور بما يُلقى فيها؛ فإن ألقيتَ فيها حبًّا دارتْ به، وإن ألقيتَ فيها زجاجًا وحصىً وبعرًا دارت به، والله سبحانه هو قيِّم تلك الرحى ومالكها ومُصرِّفُها، وقد أقام لها ملَكًا يُلقِي فيها ما ينفعها فتدور به، وشيطانًا يلقي فيها ما يضرُّها فتدور به؛ فالملك يلمُّ بها مرةً والشيطان يلمُّ بها مرة؛ فالحَبّ الذي يُلقيه الملك إيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالوعد، والحَبّ الذي يُلقيه الشيطان إيعادٌ بالشر وتكذيبٌ بالوعد، والطحين على قدر الحب، وصاحب الحبّ المُضِرّ لا يتمكن من إلقائه إلا إذا وجد الرحى فارغةً من الحب النافع، وقيِّمها قد أهملها وأعرض عنها؛ فحينئذ يُبادِر إلى إلقاء ما معه فيها.

وبالجملة فقَيِّمُ الرَّحى إذا تخلَّى عنها وعن إصلاحها وإلقاء الحَبّ النافع فيها وجدَ العدوُّ السبيلَ إلى إفسادها وإدارتها بما معه.

257

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي