الفوائد

الظلمات؛ كما قال النبي ﷺ في دعاء الطائف: "أعوذ بنور وجهك الذي أشرقتْ له الظلماتُ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة"١.

وقال عبد الله بن مسعود٢: ليس عند ربكم ليلٌ ولا نهار، نور السماوات والأرض من نور وجهه؛ فهو سبحانه نور السماوات والأرض، ويوم القيامة إذا جاء لفصل القضاء تُشرِق الأرضُ بنوره.

ومن أسمائه الحسنى: الجميل.

وفي الصحيح عنه ﷺ: "إن الله جميل يحب الجمال"٣.

وجماله سبحانه على أربعة مراتب: جمال الذات، وجمال الصفات، وجمال الأفعال، وجمال الأسماء؛ فأسماؤه كلها حسنى، وصفاته كلها صفات كمال، وأفعاله كلها حكمةٌ ومصلحةٌ وعدلٌ ورحمةٌ. وأما جمال الذات وما هو عليه فأمرٌ لا يدركه سواه ولا يعلمه غيره، وليس عند المخلوقين منه إلا تعريفات تعرَّف بها إلى من أكرمه من عباده؛ فإن ذلك الجمال مَصُونٌ عن الأغيار، محجوبٌ بستر الرداء والإزار؛ كما قال رسوله ﷺ فيما يحكي عنه: "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري"٤، ولما كانت الكبرياء أعظمَ وأوسع كانت أحقَّ باسم الرداء؛ فإنه سبحانه الكبير المتعال؛ فهو سبحانه العلي العظيم.

  1. (١) أخرجه الطبراني في الكبير (قطعة من الجزء ١٣/ ٥٢) عن عبد الله بن جعفر. قال الهيثمي (٦/ ٣٨): فيه ابن إسحاق، وهو مدلس ثقة، وبقية رجاله ثقات.
  2. (٢) أخرجه الطبراني (٩/ ١٧٩)، قال الهيثمي (١/ ٨٥): فيه أبو عبد السلام مجهول.
  3. (٣) أخرجه مسلم (٩١) عن ابن مسعود.
  4. (٤) أخرجه أحمد (٢/ ٢٤٨، ٣٧٦) وأبو داود (٤٠٩٠) وابن ماجه (٤١٧٤) من حديث أبي هريرة. وهو حديث صحيح.
265

قال ابن عباس: حجب الذَّات بالصفات، وحجب الصفات بالأفعال؛ فما ظنك بجمال حُجِبَ بأوصاف الكمال، وسُتِرَ بنعوت العظمة والجلال؟!

ومن هذا المعنى يُفهَم بعضُ معاني جمال ذاته؛ فإن العبد يترقى من معرفة الأفعال إلى معرفة الصفات، ومن معرفة الصفات إلى معرفة الذات؛ فإذا شاهد شيئًا من جمال الأفعال استدل به على جمال الصفات، ثم استدل بجمال الصفات على جمال الذات.

ومن ها هنا يتبين أنه سبحانه له الحمد كله، وأن أحدًا من خلقه لا يحصي ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وأنه يستحق أن يُعبَد لذاته ويُحَبّ لذاته ويُشكَر لذاته، وأنه سبحانه يُحِبّ نفسه ويُثني على نفسه ويحمد نفسه، وأن محبته لنفسه وحمده لنفسه وثناءه على نفسه وتوحيده لنفسه هو في الحقيقة الحمد والثناء والحب والتوحيد؛ فهو سبحانه كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني به عليه خلقه، وهو سبحانه كما يحب ذاته يحب صفاته وأفعاله؛ فكل أفعاله حسن محبوب، وإن كان في مفعولاته ما يُبغضه ويكرهه؛ فليس في أفعاله ما هو مكروهٌ مسخوطٌ، وليس في الوجود ما يُحَب لذاته ويُحمَد لذاته إلا هو سبحانه، وكل ما يُحَبّ سواه؛ فإن كانت محبته تابعةً لمحبته سبحانه بحيث يحب لأجله فمحبته صحيحةٌ، وإلَّا فهي محبةٌ باطلةٌ، وهذا هو حقيقة الإلهية؛ فإن الإله الحق هو الذي يُحَبّ لذاته ويُحمَد لذاته؛ فكيف إذا انضاف إلى ذلك إحسانه وإنعامه وحلمه وتجاوزه وعفوه وبره ورحمته؟!

فعلى العبد أن يعلم أنه لا إله إلا الله فيحبه ويحمده لذاته وكماله، وأن يعلم أنه لا مُحسِن على الحقيقة بأصناف النعم الظاهرة والباطنة إلا

266

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي