• وقوله في الحديث: "إن الله جميل يُحِبُّ الجمال"١ يتناول جمال الثياب المسؤول عنه في نفس الحديث، ويدخل فيه بطريق العموم الجمال من كل شيء.
كما في الحديث الآخر: "إن الله نظيفٌ يحب النظافة"٢.
وفي الصحيح: "إن الله طيِّبٌ لا يقبل إلا طيبًا"٣.
وفي السنن: "الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده"٤.
وفيها: عن أبي الأحوص الجُشَمي، [عن أبيه]؛ قال: رآني النبي ﷺ وعليَّ أطمارٌ، فقال: "هل لك من مال؟ ". قلت: نعم. قال: "من أي المال؟ ". قلت: من كل ما آتى الله من الإبل والشاء. قال: "فلتُرَ نعمتُه وكرامتُه عليك"٥.
فهو سبحانه يحب ظهور أثر نعمته على عبده؛ فإنه من الجمال الذي يحبه، وذلك من شكره على نعمه، وهو جمال باطن؛ فيحب أن يرى على عبده الجمال الظاهر بالنعمة والجمال الباطن بالشكر عليها.
(١) سبق تخريجه (ص ٢٦٥).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٧٩٩) عن سعد بن أبي وقاص، وقال: هذا حديث غريب، وخالد بن إلياس يُضعَّف.
(٣) أخرجه مسلم (١٠١٥) عن أبي هريرة.
(٤) أخرجه الترمذي (٢٨١٩) عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقال: هذا حديث حسن.
(٥) أخرجه أحمد (٣/ ٤٧٣) وأبو داود (٤٠٦٣) والترمذي (٢٠٠٦) والنسائي (٨/ ١٨٠) بهذا الطريق. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وهو سبحانه كما يحب الجمال في الأقوال والأفعال واللباس والهيئة يُبغِضُ القبيح من الأقوال والأفعال والثياب والهيئة؛ فيبغض القبيح وأهله، ويحب الجمال وأهله.
ولكن ضل في هذا الموضع فريقان:
فريق قالوا: كل ما خلقه جميل؛ فهو يحب كل ما خلقه، ونحن نحب جميع ما خلقه؛ فلا نبغض منه شيئًا. قالوا: ومن رأى الكائنات منه رآها كلها جميلة. وأنشد منشدهم:
وإذا رأيتَ الكائناتِ بعينهمفجميعُ ما يَحوِي الوجودُ مليحُ
واحتجوا بقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ﴾[السجدة: ٧]، وقوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيءٍ﴾[النمل: ٨٨]، وقوله: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾[الملك: ٣]. والعارف عندهم هو الذي يُصرِّح بإطلاق الجمال ولا يرى في الوجود قبيحًا. وهؤلاء قد عُدِمَتِ الغيرةُ لله من قلوبهم والبغضُ في الله والمعاداة فيه وإنكار المنكر والجهاد في سبيله وإقامة حدوده! ويَرى جمال الصور من الذُّكور والإناث من الجمال الذي يحبه الله، فيتعبدون بفسقهم! وربما غلا بعضهم حتى يزعم أن معبوده