وهو سبحانه كما يحب الجمال في الأقوال والأفعال واللباس والهيئة يُبغِضُ القبيح من الأقوال والأفعال والثياب والهيئة؛ فيبغض القبيح وأهله، ويحب الجمال وأهله.
ولكن ضل في هذا الموضع فريقان:
فريق قالوا: كل ما خلقه جميل؛ فهو يحب كل ما خلقه، ونحن نحب جميع ما خلقه؛ فلا نبغض منه شيئًا. قالوا: ومن رأى الكائنات منه رآها كلها جميلة. وأنشد منشدهم:
وإذا رأيتَ الكائناتِ بعينهمفجميعُ ما يَحوِي الوجودُ مليحُ
واحتجوا بقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ﴾[السجدة: ٧]، وقوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيءٍ﴾[النمل: ٨٨]، وقوله: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾[الملك: ٣]. والعارف عندهم هو الذي يُصرِّح بإطلاق الجمال ولا يرى في الوجود قبيحًا. وهؤلاء قد عُدِمَتِ الغيرةُ لله من قلوبهم والبغضُ في الله والمعاداة فيه وإنكار المنكر والجهاد في سبيله وإقامة حدوده! ويَرى جمال الصور من الذُّكور والإناث من الجمال الذي يحبه الله، فيتعبدون بفسقهم! وربما غلا بعضهم حتى يزعم أن معبوده
يظهر في تلك الصورة ويَحُلُّ فيها! وإن كان اتحاديًّا قال: هي مظهر من مظاهر الحق، ويسميها المظاهر الجمالية!!
فصل
وقابلهم الفريقُ الثاني، فقالوا: قد ذمَّ سبحانه جمالَ الصور وتمام القامة والخلقة؛ فقال عن المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾[المنافقون: ٤]، وقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا ٧٤﴾[مريم: ٧٤] أي أموالًا ومناظر؛ قال الحسن: هو الصور. وفي "صحيح مسلم"١ عنه ﷺ: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم". قالوا: ومعلومٌ أنه لم يَنفِ نظرَ الإدراك، وإنما نفى نظر المحبة. قالوا: وقد حرم علينا لباس الحرير والذهب وآنية الذهب والفضة، وذلك من أعظم جمال الدنيا. وقال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾[طه: ١٣١]. وفي الحديث: "البذاذة من الإيمان"٢. وقد ذمَّ الله المسرفين، والسرف كما يكون في الطعام والشراب يكون في اللباس.
وفصل النزاع أن يقال: الجمال في الصورة واللباس والهيئة ثلاثة أنواع: منه ما يُحمَد، ومنه ما يُذَمّ، ومنه ما لا يتعلق به مدحٌ ولا ذمٌّ:
فالمحمود منه ما كان لله وأعان على طاعة الله وتنفيذ أوامره والاستجابة له؛ كما كان النبي ﷺ يتجمل للوفود٣، وهو نظير لباس آلة
(١) برقم (٢٥٦٤) من حديث أبي هريرة.
(٢) أخرجه أبو داود (٤١٦١) وابن ماجه (٤١١٨) والحاكم (١/ ٩) من حديث أبي أمامة.
(٣) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري (٨٨٦) ومسلم (٢٠٦٨) عن ابن عمر.