الفوائد

الحرب للقتال ولباس الحرير في الحرب والخيلاء فيه؛ فإن ذلك محمودٌ إذا تضمَّنَ إعلاءَ كلمة الله ونصرَ دينِه وغيظَ عدوِّه.

والمذموم منه ما كان للدنيا والرئاسة والفخر والخيلاء والتوسل إلى الشهوات، وأن يكون هو غاية العبد وأقصى مطلبه؛ فإن كثيرًا من النفوس ليس لها همةٌ في سوى ذلك.

وأما ما لا يُحمَد ولا يُذم فهو ما خلا عن هذين القصدين وتجرد عن الوصفين.

والمقصود أن هذا الحديث الشريف مشتمل على أصلين عظيمين؛ فأوله معرفة، وآخره سلوكٌ؛ فيُعرَف الله سبحانه بالجمال الذي لا يماثله فيه شيءٌ، ويُعبَد بالجمال الذي يحبه من الأقوال والأعمال والأخلاق؛ فيحب من عبده أن يُجمِّل لسانه بالصدق، وقلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة والتوكل، وجوارحه بالطاعة، وبدنه بإظهار نعمه عليه في لباسه وتطهيره له من الأنجاس والأحداث والأوساخ والشعور المكروهة والختان وتقليم الأظفار؛ فيعرفه بصفات الجمال ويتعرف إليه بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة؛ فيعرفه بالجمال الذي هو وصفه، ويعبده بالجمال الذي هو شرعه ودينه؛ فجمعَ الحديثُ قاعدتين: المعرفة، والسلوك.

فصل

ليس للعبد شيءٌ أنفع من صدقه ربه في جميع أموره مع صدق العزيمة؛ فيَصدُقه في عزمه وفي فعله؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيرًا لَهُمْ ٢١﴾ [محمد: ٢١]؛ فسعادته في صدق العزيمة وصدق الفعل. فصدق العزيمة جَمْعُها وجزمُها وعدم التردد

271

فيها، بل تكون عزيمةً لا يشوبها ترددٌ ولا تلوُّمٌ. فإذا صدقتْ عزيمتُه بقي عليه صدق الفعل، وهو استفراغُ الوسع وبذل الجهد فيه، وأن لا يتخلف عنه بشيءٍ من ظاهره وباطنه. فعزيمةُ القصد تمنعه من ضعف الإرادة والهمة، وصدق الفعل يمنعه من الكسل والفتور.

ومن صَدَقَ اللَّهَ في جميع أموره صنعَ الله له فوق ما يصنع لغيره.

وهذا الصدق معنى يلتئم من صحة الإخلاص وصدق التوكل؛ فأصدق الناس من صح إخلاصه وتوكله.

فائدة جليلة في القدر

ربٌّ ذو إرادة أمر عبدًا ذا إرادة:

فإن وفقه أراد من نفسه أن يُعِينه ويُلهِمه فعلَ ما أمر به.

وإن خَذلَه خلَّاه وإرادته ونفسه، وهو من هذه الحيثية لا يختار إلا ما تهواه نفسه وطبعُه؛ فهو من حيث هو إنسانٌ لا يريد إلا ذلك، ولذلك ذمَّه الله في كتابه من هذه الحيثية، ولم يمدحه إلا بأمر زائدٍ على تلك الحيثية، وهو كونه مسلمًا ومؤمنًا وصابرًا ومحسنًا وشكورًا وتقيًّا وبرًّا ونحو ذلك، وهذا أمرٌ زائدٌ على مجرد كونه إنسانًا وإرادته صالحة، لكن لا يكفي مجرد صلاحيتها إن لم تؤيَّد بقدر زائد على ذلك، وهو التوفيق؛ كما أنه لا يكفي في الرؤية مجرد صلاحية العين للإدراك إن لم يَحصُلْ سببٌ آخر من النور المنفصل عنها.

فصل

من أعظم الظلم والجهل أن تطلب التعظيم والتوقير لك من الناس وقلبُك خالٍ من تعظيم الله وتوقيره؛ فإنك تُوقِّر المخلوقَ وتُجِلُّه أن يراك

272

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي