الفوائد

وشركم من طال عمرُه وقبُحَ عملُه"١.

فالطالب الصادق في طلبه كلما خَرِبَ شيءٌ من ذاته، جعله عمارةً لقلبه وروحه، وكلما نقص شيءٌ من دنياهُ جعله زيادةً في آخرته، وكلما مُنِعَ شيئًا من لذات دنياه جعله زيادة في لذات آخرته، وكلما ناله همٌّ أو حزن أو غم جعله في أفراح آخرته؛ فنقصان بدنه ودنياه ولذته وجاهه ورئاسته: إن زاد في حصول ذلك وتوفيره عليه في معاده كان رحمةً به وخيرًا له، وإلَّا كان حرمانًا وعقوبة على ذنوب ظاهرةٍ أو باطنةٍ أو ترك واجب ظاهرٍ أو باطن؛ فإن حرمانَ خيرِ الدنيا والآخرة مرتَّبٌ على هذه الأربعة. وبالله التوفيق.

فائدة

الناس منذ خُلِقوا لم يزالوا مسافرين، وليس لهم حطٌّ عن رحالهم إلا في الجنة أو النار.

والعاقل يعلم أن السفر مبنيٌّ على المشقة وركوب الأخطار، ومن المحال عادةً أن يُطلَب فيه نعيمٌ ولذَّةٌ وراحةٌ، إنما ذاك بعد انتهاء السفر، ومن المعلوم أن كل وطأةِ قَدَمٍ أو كل آنٍ من آناتِ السفر غير واقفةٍ، ولا المكلف واقفٌ، وقد ثبت أنه مسافرٌ على الحال التي يجب أن يكون المسافر عليها من تهيئة الزاد الموصل، وإذا نزل أو نام أو استراح فعلى قدمِ الاستعداد للسير.

  1. (١) أخرجه أحمد (٥/ ٤٠، ٤٣) والترمذي (٢٣٣٠) عن أبي بكرة. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
276

فائدة

عند العارفين أن الاشتغال بالمشاهدة عن البِرِّ في السير وقوف؛ لأنه في زمن المشاهدة لو كان صاحبَ عمل ظاهر أو باطن أو ازدياد من معرفة وإيمان مفصل كان أولى به؛ فإن اللطيفة الإنسانية تُحشَر على صورة عملها ومعرفتها وهمتها وإرادتها، والبدن يُحشَر على صورة عمله الحسن أو القبيح؛ وإذا انتقلت من هذه الدار شاهدتْ حقيقة ذلك.

وعلى قدر قرب قلبك من الله تَبعُد من الأنس بالناس ومساكنتهم، وعلى قدر صيانتك لِسرِّك وإرادتك يكون حفظه، وملاك ذلك صحةُ التوحيد، ثم صحة العلم بالطريق، ثم صحة الإرادة، ثم صحة العمل.

والحذرَ كلَّ الحذر من قصد الناس لك وإقبالهم عليك وأن يَعثُروا على موضع غرضك؛ فإنها الآفة العظمى.

فصل

كل ذي لب يعلم أنه لا طريق للشيطان عليه إلا من ثلاث جهات:

أحدها: التزيد والإسراف، فيزيد على قدر الحاجة، فتصير فضلةً، وهي حظُّ الشيطان ومدخله إلى القلب. وطريق الاحتراز [منه الاحتراز] من إعطاء النفس تمامَ مطلوبها من غذاءٍ أو نوم أو لذةٍ أو راحة؛ فمتى أغلقتَ هذا البابَ حصلَ الأمان من دخول العدو منه.

الثانية: الغفلة؛ فإن الذاكر في حصن الذكر؛ فمتى غَفَل فتح باب الحصن، فولجَه العدوُّ، فيعسُر عليه أو يصعبُ إخراجه.

الثالثة: تكلف ما لا يعنيه من جميع الأشياء.

277

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي