الفوائد

فالأول ينتقل الذكر من لسانه إلى قلبه.

والثاني ينتقل من قلبه إلى لسانه، من غير أن يخلو قلبه منه، بل يسكن أولًا حتى يحس بظهور الناطق فيه؛ فإذا أحس بذلك نطق قلبه، ثم انتقل النطق القلبي إلى الذكر اللساني، ثم يستغرق في ذلك حتى يجد كل شيء منه ذاكرًا.

وأفضل الذكر وأنفعه ما واطأ فيه القلب اللسان، وكان من الأذكار النبوية، وشهد الذاكر معانيه ومقاصده.

فصل

أنفع الناس لك رجل مكَّنك من نفسه حتى تزرع فيه خيرًا أو تَصنع إليه معروفًا؛ فإنه نِعمَ العونُ لك على منفعتك وكمالك؛ فانتفاعك به في الحقيقة مثل انتفاعه بك أو أكثر.

وأضر الناس عليك من مكَّن نفسَه منك حتى تعصي الله فيه؛ فإنه عونٌ لك على مضرتك ونقصك.

فصل

اللذَّةُ المحرمة ممزوجةٌ بالقبح حال تناولها، مُثمِرة للألم بعد انقضائها؛ فإذا اشتدت الداعية منك إليها ففكِّرْ في انقطاعها وبقاء قبحها وألمها؛ ثم وازِنْ بين الأمرين، وانظر ما بينهما من التفاوت.

والتعب بالطاعة ممزوج بالحسن، مثمرٌ للذَّة والراحة؛ فإذا ثقلتْ على النفس ففكِّرْ في انقطاع تعبها وبقاء حسنها ولذَّتها وسرورها، ووازِنْ بين الأمرين، وآثرِ الراجحَ على المرجوح.

279

فإن تألَّمتَ بالسبب فانظرْ إلى ما في المسبب من الفرحة والسرور واللذَّة يَهُنْ عليك مُقاساته. وإن تألمتَ بترك اللذة المحرمة فانظر إلى الألم الذي يعقبه، ووازِنْ بين الألمين.

وخاصيةُ العقل تحصيل أعظم المنفعتين بتفويت أدناهما، واحتمال أصغر الألمين لدفع أعلاهما.

وهذا يحتاج إلى علم بالأسباب ومقتضياتها، وإلى عقل يختار به الأولى والأنفع له منها؛ فمن وَفَرَ قسمُه من العقل والعلِم اختار الأفضل وآثرَه، ومن نقصَ حظه منهما أو من أحدهما اختار خلافَه، ومن فكر في الدنيا والآخرة علم أنه لا ينال واحدًا منهما إلا بمشقة؛ فليتحمل المشقة لخيرهما وأبقاهما.

فصل

لله على العبد في كل عضو من أعضائه أمرٌ، وله عليه فيه نهيٌ، وله فيه نعمةٌ، وله به منفعةٌ ولذةٌ. فإن قام لله في ذلك العضو بأمره، واجتنب فيه نهيَه فقد أدَّى شكر نعمته عليه فيه، وسعى في تكميل انتفاعه ولذته به. وإن عطَّل أمر الله ونهيه فيه عطَّلهُ الله من انتفاعه بذلك العضو، وجعله من أكبر أسباب ألمه ومضرته.

وله عليه في كل وقت من أوقاته عبوديةٌ تُقدِّمه إليه وتُقرِّبه منه، فإن شَغَل وقته بعبودية الوقت تقدم إلى ربه. وإن شغله بهوى أو راحة وبطالةٍ تأخر.

فالعبد لا يزال في تقدم أو تأخر، ولا وقوفَ في الطريق البتة.

قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ٣٧﴾ [المدثر: ٣٧].

280

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي