الفوائد

فإن تألَّمتَ بالسبب فانظرْ إلى ما في المسبب من الفرحة والسرور واللذَّة يَهُنْ عليك مُقاساته. وإن تألمتَ بترك اللذة المحرمة فانظر إلى الألم الذي يعقبه، ووازِنْ بين الألمين.

وخاصيةُ العقل تحصيل أعظم المنفعتين بتفويت أدناهما، واحتمال أصغر الألمين لدفع أعلاهما.

وهذا يحتاج إلى علم بالأسباب ومقتضياتها، وإلى عقل يختار به الأولى والأنفع له منها؛ فمن وَفَرَ قسمُه من العقل والعلِم اختار الأفضل وآثرَه، ومن نقصَ حظه منهما أو من أحدهما اختار خلافَه، ومن فكر في الدنيا والآخرة علم أنه لا ينال واحدًا منهما إلا بمشقة؛ فليتحمل المشقة لخيرهما وأبقاهما.

فصل

لله على العبد في كل عضو من أعضائه أمرٌ، وله عليه فيه نهيٌ، وله فيه نعمةٌ، وله به منفعةٌ ولذةٌ. فإن قام لله في ذلك العضو بأمره، واجتنب فيه نهيَه فقد أدَّى شكر نعمته عليه فيه، وسعى في تكميل انتفاعه ولذته به. وإن عطَّل أمر الله ونهيه فيه عطَّلهُ الله من انتفاعه بذلك العضو، وجعله من أكبر أسباب ألمه ومضرته.

وله عليه في كل وقت من أوقاته عبوديةٌ تُقدِّمه إليه وتُقرِّبه منه، فإن شَغَل وقته بعبودية الوقت تقدم إلى ربه. وإن شغله بهوى أو راحة وبطالةٍ تأخر.

فالعبد لا يزال في تقدم أو تأخر، ولا وقوفَ في الطريق البتة.

قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ٣٧﴾ [المدثر: ٣٧].

280

فصل

أقام الله سبحانه هذا الخلقَ بين الأمر والنهي والعطاء والمنع؛ فافترقوا فرقتين:

فرقة قابلتْ أمرَه بالترك، ونهيَه بالارتكاب، وعطاءه بالغفلة عن الشكر، ومنعه بالسخط. وهؤلاء أعداؤه، وفيهم من العداوة بحسب ما فيهم من ذلك.

وقسم قالوا: إنما نحن عبيدك؛ فإن أمرتَنا سارعنا إلى الإجابة، وإن نهيتَنا أمسكنا نفوسنا وكففناها عما نهيتنا عنه، وإن أعطيتَنا حمدناك، وإن منعتَنا تضرَّعنا إليك وذكرناك.

فليس بين هؤلاء وبين الجنة إلا ستر الحياة الدنيا؛ فإذا مزَّقه عليهم الموت صاروا إلى النعيم المقيم وقرة الأعين؛ كما أن أولئك ليس بينهم وبين النار إلا ستر الحياة؛ فإذا مزَّقه الموت صاروا إلى الحسرة والألم.

فإذا تصادمتْ جيوشُ الدُّنيا والآخرة في قلبك، وأردتَ أن تعلم من أي الفريقين أنت فانظر: مع من تَميل منهما ومع من تُقاتل، إذْ لا يمكنك الوقوف بين الجيشين؛ فأنت مع أحدهما لا محالةَ.

فالفريق الأول استغشُّوا الهوى فخالفوهُ، واستنصحوا العقلَ فشاوروه، وفرَّغوا قلوبهم للفكر فيما خلقوا له، وجوارحهم للعمل بما أُمروا به، وأوقاتهم لعمارتها بما يَعمُر منازلَهم في الآخرة، واستظهروا على سرعة الأجل بالمبادرة إلى الأعمال، وسكنوا الدنيا وقلوبهم مسافرة عنها، واستوطنوا الآخرة قبل انتقالهم إليها، واهتموا بالله وطاعته على قدر حاجتهم إليه، وتزودوا للآخرة على قدر مقامهم فيها، فعجَّل لهم

281

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي