الفوائد

ويتصل العمل بأوامره ونواهيه؛ فيفعل الطاعة لأنه أُمر بها وأحبّها، ويترك المناهي لكونه نُهي عنها وأبغضها؛ فهذا معنى اتصال العمل بأمره ونهيه. وحقيقته زوال العلل الباعثة على الفعل والترك من الأغراض والحظوظ العاجلة.

ويتصل التوكل والحب به؛ بحيث يصير واثقًا به سبحانه، مطمئنًا إليه، راضيًا بحسن تدبيره له، غير متّهم له في حال من الأحوال.

ويتصل فقره وفاقته به سبحانه دون من سواه.

ويتصل خوفه ورجاؤه وفرحه وسروره وابتهاجه به وحده؛ فلا يخاف غيره ولا يرجوه ولا يفرح به كل الفرح ولا يُسَرُّ به غايةَ السرور، وإن ناله بالمخلوق بعض الفرح والسرور؛ فليس الفرح التامُّ والسرور الكامل والابتهاج والنعيم وقرة العين وسكون القلب إلا به سبحانه، وما سواه إن أعان على هذا المطلوب فرِحَ به وسُرَّ به، وإن حجَبَ عنه فهو بالحزن به والوحشة منه واضطراب القلب بحصوله أحقُّ منه بأن يفرح به؛ فلا فرحةَ ولا سرورَ إلا به أو بما أوصل إليه وأعان على مرضاته. وقد أخبر سبحانه أنه لا يحبّ الفرحين بالدنيا وزينتها، وأمر بالفرح بفضله ورحمته، وهو الإسلام والإيمان والقرآن؛ كما فسَّره الصحابة والتابعون.

والمقصود أن من اتصلتْ له هذه الأمور بالله سبحانه فقد وصل، وإلا فهو مقطوعٌ عن ربه، متصلٌ بحظه ونفسه، ملبَّسٌ عليه في معرفته وإرادته وسلوكه.

295

قاعدة جليلة

فكَّرتُ في هذا الأمر؛ فإذا أصله:

أن تعلم أن النعم كلها من الله وحده؛ نِعم الطاعات ونِعم اللَّذَّات، فترغب إليه أن يُلهمك ذكرَها ويُوزِعَك شكرَها، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيهِ تَجْأَرُونَ ٥٣﴾ [النحل: ٥٣]، وقال: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٦٩﴾ [الأعراف: ٦٩]، وقال: ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ١١٤﴾ [النحل: ١١٤]، وكما أن تلك النعم منه ومن مجردِ فضله؛ فذِكرُها وشكرُها لا يُنال إلَّا بتوفيقه.

والذنوب من خِذلانه وتخلِّيه عن عبده وتَخليتِه بينه وبين نفسه، وإن لم يكشفْ ذلك عن عبده فلا سبيلَ له إلى كشفه عن نفسه؛ فإذا هو مضطرٌّ إلى التضرع والابتهال إليه أن يدفع عنه أسبابها حتى لا تصدر منه، وإذا وقعتْ بحكم المقادير ومقتضى البشرية فهو مضطر إلى التضرع والدعاء أن يدفع عنه موجباتها وعقوباتها.

فلا ينفكُّ العبد عن ضرورته إلى هذه الأصول الثلاثة، ولا فلاحَ له إلا بها: الشكر، وطلب العافية، والتوبة النصوح.

ثم فكَّرتُ فإذا مدارُ ذلك على الرغبة والرهبة، وليسا بيد العبد، بل بيد مقلِّب القلوب ومصرِّفها كيف يشاء؛ فإن وفَّق عبدَه أقبل بقلبه إليه وملأهُ رغبةً ورهبةً، وإن خذلَه تركه ونفسَه، ولم يأخذ بقلبه إليه، ولم يشأ له ذلك، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

ثم فكَّرتُ: هل للتوفيق والخذلان سببٌ؟ أم هما بمجرد المشيئة لا سببَ لهما؟ فإذا سببهما أهلية المحل وعدمها؛ فهو سبحانه خالق

296

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي