التي لا تنفعُ؛ لم يبق فيها موضعٌ للشُّغل بالله ومعرفة أسمائِهِ وصفاتِهِ وأحكامِه.
وسرُّ ذلك أنَّ إصغاء القلب كإصغاءِ الأُذُنِ: فإذا صَغا إلى غير حديث الله؛ لم يبْقَ فيه إصغاءٌ ولا فهمٌ لحديثِهِ، كما إذا مال إلى غير محبَّة الله؛ لم يبقَ فيه ميلٌ إلى محبَّتِهِ، فإذا نطق القلبُ بغير ذِكرِهِ؛ لم يَبْقَ فيه محلٌّ للنُّطقِ بذكرِهِ كاللسان.
ولهذا في الصحيح١ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "لأنْ يَمْتَلِئَ جوفُ أحدِكُمْ قَيْحًا حتَّى يَرِيَهُ خيرٌ له من أن يمتلئَ شعرًا"؛ فبيَّنَ أنَّ الجوف يمتلئُ بالشِّعرِ.
فكذلك يمتلئُ بالشُّبه، والشُّكوكِ، والخيالاتِ، والتقديرات٢ التي لا وجود لها، والعلوم التي لا تنفعُ، والمُفاكَهاتِ، والمُضحِكاتِ، والحكاياتِ ونحوها.
وإذا امتلأ القلبُ بذلك؛ جاءتْهُ حقائقُ القرآنِ والعلم الذي به كمالُهُ وسعادتُهُ، فلم تجدْ فيه فراغًا لها ولا قبولًا، فتَعدَّتْهُ وجاوزتْهُ إلى محلٍّ سواهُ؛ كما إذا بُذِلَتِ النصيحةُ لقلبٍ ملآن من ضدِّها لا منفذَ لها فيه؛ فإنَّه لا يقبلُها ولا تلجُ فيه، لكن تَمُرُّ مجتازةً لا مستوطنةً.
ولذلك قيل٣:
نَزِّهْ فُؤادك من سوانا تَلْقنافجَنابُنا حِلٌّ لِكُلِّ مُنَزَّهِ
(١) أخرجه البخاري (٦١٥٥) ومسلم (٢٢٥٧) من حديث أبي هريرة.
(٢) في الأصل: "التقدرات".
(٣) البيتان بلا نسبة في "طريق الهجرتين" (٢/ ٥٧٩).
والصَّبْرُ طِلَّسْمٌ لِكَنْزِ وصالِنامن حَلَّ ذا الطِّلَّسْم فازَ بكَنْزِهِ
وبالله التوفيق.
فائدة
قولُه تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ١﴾ إلى آخرها [التكاثر: ١].
أُخْلِصَتْ هذه السورة للوعد والوعيد والتهديد، وكفى بها موعظةً لمن عقلها.
فقولُه تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ﴾؛ أي: شَغَلَكُم على وجهٍ لا تُعذَرون فيه؛ فإنَّ الإلهاء عن الشيءِ هو الاشتغالُ عنهُ، فإن كان بقصدٍ فهو محلُّ التكليف، وإن كان بغير قصدٍ -كقوله ﷺ في الخميصة: "إنَّها ألهتْني آنفًا عن صلاتي"١ - كان صاحبُهُ معذورًا، وهو نوعٌ من النسيان، وفي الحديث: فلها رسول الله ﷺ عن الصَّبيِّ٢؛ أي: ذهلَ عنه، ويقال: لها بالشيء أي: اشتغل به، ولها عنه: إذا انصرف عنه. واللهوُ للقلب، واللعبُ للجوارح، ولهذا يُجْمعُ بينهما. ولهذا كان قوله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ١﴾ أبلغ في الذَّمِّ من (شَغلَكُم)؛ فإنَّ العامل قد يستعمل جوارحه بما يعمل وقلبه غير لاهٍ به؛ فاللهو هو ذهولٌ وإعراضٌ.
والتكاثر تفاعل من الكثرة، أي مكاثرة بعضكم لبعض، وأعرض عن ذكر المتكاثر به إرادةً لإطلاقه وعمومه وأنَّ كلَّ ما يُكاثِرُ به العبدُ غيَره -سوى طاعةِ الله ورسوله وما يعود عليه بنفع معاده- فهو داخلٌ في هذا التكاثر، فالتكاثرُ في كل شيء؛ من مال، أو جاهٍ، أو رئاسة، أو نسوةٍ،
(١) أخرجه البخاري (٣٧٣) ومسلم (٥٥٦) من حديث عائشة.
(٢) أخرجه البخاري (٦١٩١) ومسلم (٢١٤٩) من حديث سهل بن سعد.