الفوائد

طريق آبائه في التَّمَجُّس، فأقبل يناظرُ أباه في دين الشرك، فلما عَلاهُ بالحُجَّة؛ لم يكن له جوابٌ إلا القيد -وهذا جوابٌ يتداولُه أهلُ الباطل من يوم حرَّقوه، وبه أجاب فرعونُ موسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي﴾ [الشعراء: ٢٩]، وبه أجاب الجهميَّةُ الإمامَ أحمد لما عرضوه على السِّياط، وبه أجاب أهل البدع شيخَ الإسلام حين استودعوهُ السجن، وها نحنُ على الأثر-، فنزل به ضيفُ ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٥]، فنال بإكرامِهِ مرتبةَ "سلمانُ منَّا أهلَ البيت"١، فسمع أن ركبًا على نية السفر، فسرقَ نفسَه من أبيه ولا قطع، فركب راحلة العزم يرجو إدراك مطلب السعادة، فغاص في بحر البحث ليقع بدُرَّةِ الوجود، فوقف نفسه على خدمة الأدلَّاء وقوفَ الأذلَّاء، فلما أحسَّ الرهبانُ بانقراض دولتهم؛ سلَّموا إليه أعلام الإعلام على نبوَّة نبيِّنا، وقالوا: إنَّ زمانه قد أظلَّ؛ فاحذر أن تضلَّ! فرحل مع رفقةٍ لم يرفُقوا به، فشَروهُ بثمن بَخْسٍ دراهم معدودةٍ، فابتاعه يهوديٌّ بالمدينة، فلما رأى الحرَّة؛ توقَّد حَرُّ شَوقِه، ولم يعلم ربُّ المنزل بوجدِ النازل؛ فبينا هو يُكابدُ ساعات الانتظارَ؛ قدم البشيرُ بقدوم البشير، وسلمان في رأس نخلةٍ، وكاد القلقُ يُلقيه، لولا أنَّ الحزم أمسكهُ؛ كما جرى يوم ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ [القصص: ١٠]، فعجَّل النزولَ لتلقِّي رَكْبِ البشارة ولسانُ حالِه يقولُ:

خليليَّ من نجدٍ قِفا بي على الرُّبافقدْ هبَّ منْ تلكَ الدِّيارِ نسيمُ٢
  1. (١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٤/ ٨٣، ٧/ ٣١٩) والطبراني في الكبير (٦٠٤٠) والحاكم (٣/ ٥٩٨) من حديث عمرو بن عوف. وإسناده ضعيف جدًّا. وأخرجه ابن سعد (٤/ ٨٦) والطبراني (٦٠٤١) من كلام علي. وإسناده صحيح.
  2. (٢) البيت بلا نسبة في المدهش (ص ٢١٤).
53

فصاح به سيِّدُهُ: ما لك؟! انصرِفْ إلى شُغلك! فقال١:

كيفَ انصرافي وَلِيْ في دارِكُمْ شُغُلُ

ثم أخذ لسانُ حالِهِ يترنَّمُ لو سمع الأطروشُ:

خليليَّ لا واللهِ ما أنا منْكُماإذا عَلَمٌ مِنْ آلِ لَيْلَى بَدا لِيا٢

فلما لقيَ الرسول عارض نسخةَ الرُّهبانِ بكتابِ الأصل، فوافقَهُ. يا محمدُ! أنت تريدُ أبا طالبٍ، ونحنُ نريدُ سلمان.

أبو طالبٍ إذا سُئلَ عن اسمِهِ قال: عبدُ منافٍ. وإذا انتسبَ افْتَخَرَ بالآباءِ. وإذا ذُكِرَتِ الأموالُ عَدَّ الإبِلَ. وسلمانُ إذا سُئل عن اسمِهِ قال: عبدُ الله. وعن نسبهِ قال: ابنُ الإسلام. وعن مالِهِ قال: الفقرُ. وعن حانوتِهِ قال: المسَجدُ. وعن كَسْبهِ قال: الصبرُ. وعن لباسِهِ قال: التقوى والتواضعُ. وعن وسادِهِ قال: السهرُ. وعن فخرِهِ قال: "سلمانُ مِنَّا". وعن قصدِهِ قال: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]. وعن سيرهِ قال: إلى الجنة. وعن دليلِهِ في الطريق قال: إمامُ الخلق وهادي الأئمة٣.

إذا نحنُ أدلجْنا وأنْتَ إمامُناكفى بالمطايا طِيْبُ ذِكراك حاديَا
وإنْ نحنُ أضللنا الطَّريق ولم نَجِدْدليلًا كفانا نورُ وجهِكَ هادِيَا٤
  1. (١) الشطر بلا نسبة في المدهش (ص ٢١٤).
  2. (٢) البيت للمجنون في ديوانه (ص ٢٩٨).
  3. (٣) يشير المؤلف في هذا الفصل إلى قصة إسلام سلمان الفارسي وهي مروية في طبقات ابن سعد (٤/ ٧٥ - ٨٠) ومسند أحمد (٥/ ٤٤١ - ٤٤٤) وسيرة ابن هشام (١/ ٢١٤ - ٢٢١) والمعجم الكبير للطبراني (٦٠٦٥) وغيرها. وهي طويلة.
  4. (٤) البيت الأول للمجنون في ديوانه (ص ٢٩٦، ٢٩٧) ولعمرو بن شأس الأسدي في =
54

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي