الفوائد

وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦)﴾ [المرسلات: ٤٦].

• لمَّا عرف الموفَّقون قدْرَ الحياةِ الدُّنيا وقلة المُقام فيها؛ أماتوا فيها الهوى طلبًا لحياة الأبد. لمَّا استيقظوا من نوم الغفلة؛ استرجعوا بالجدِّ ما انتهبَهُ العدوُّ منهم في زمن البطالة، فلما طالت عليهم الطريقُ تلمَّحَوا المقصد، فقَرُبَ عليهم البعيدُ، وكلَّما أمرَّتْ لهم الحياةُ حَلا لهم تذكُّرُ ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ١٠٣﴾ [الأنبياء: ١٠٣].

وركْبٍ سَرَوا واللَّيلُ مُلْقٍ رواقَهُعلى كُل مُغْبَرِّ المطالِعِ قاتِمِ
حَدَوْا عَزَماتٍ ضاعتِ الأرْضُ بينَهافصارَ سُراهُمْ في ظهور العزائِمِ
تُرِيهِمْ نُجومُ اللَّيْلِ ما يَبْتَغونَهُعلى عاتِقِ الشِّعْرى وهامِ النَّعائِمِ
إذا اطَّرَدتْ في مَعْرِكِ الجِدِّ قَصَّفوارماحَ العَطايا في صُدورِ المكارِم١

فصل

من أعجبِ الأشياءِ: أن تعرِفَه ثم لا تحبَّهُ، وأن تسمع داعِيَهُ ثم تتأخَّر عن الإجابة، وأن تعرفَ قدرَ الربح في معاملتِهِ ثم تعامل غيرَهُ، وأن تعرف قدْر غضبهِ ثم تتعرَّض له، وأن تذوقَ ألمَ الوَحْشةِ في معصيتِهِ ثم لا تَطْلُبَ الأنسَ بَطاعتِهِ، وأن تذوقَ عُصْرةَ القلبِ عند الخوْض في غير حديثه والحديث عنه ثم لا تشتاق إلى انشراح الصَّدْرِ بذِكْرِهِ ومناجاتِهِ، وأن تذوقَ العذابَ عند تعلُّق القلب بغيره ولا تهرب منه إلى نعيم الإقبال عليه والإنابة إليه!! وأعجبُ من هذا علمُك أنَّك لا بدَّ لك منهُ وأنَّك أحوجُ شيءٍ إليه وأنت عنه مُعْرِضٌ وفيما يُبعِدُك عنه راغبٌ!!

  1. (١) الأبيات للشريف الرضي في ديوانه (٢/ ٣٨٢).
62

فائدة

ما أخذ العبدُ ما حُرِّم عليه إلا من جهتين:

إحداهُما١: سوءُ ظنِّهِ بربِّهِ، وأنَّه لو أطاعَهُ وآثَرَهُ لم يُعطِهِ خيرًا منه حلالًا.

والثانيةُ: أن يكون عالِمًا بذلك، وأنَّ مَنْ تركَ لله شيئًا أعاضَهُ خيرًا منه٢، ولكن تغلِبُ شهوتُهُ صبَرهُ وهواهُ عقلَهُ.

فالأولُ مِن ضَعْفِ علمِهِ، والثاني من ضَعْفِ عقلِهِ وبصيرتِهِ.

• قال يحيى بن معاذٍ: من جمع الله عليه قلبَهُ في الدُّعاءِ لم يَرُدَّهُ.

قلتُ: إذا اجتمع عليه قلبُهُ، وصَدَقتْ ضرورتُهُ وفاقتُهُ، وقَوِيَ رجاؤُهُ؛ فلا يكاد يُرَدُّ دعاؤُهُ.

فصل

• لما رأى المتيقِّظون سطوةَ الدُّنيا بأهلها، وخداعَ الأملِ لأربابهِ، وتملُّك الشيطانِ قيادَ النُّفوس، ورأوا الدولة للنفس الأمَّارةِ؛ لجأوَا إلى حصنِ التضرُّع والالتجاءِ؛ كما يأوي العبدُ المذعورُ إلى حَرَمِ سيِّدِهِ.

  1. (١) في الأصل: "أحدهما".
  2. (٢) أخرج أحمد (٥/ ٣٦٣) من طريق حميد بن هلال حدثنا أبو قتادة وأبو الدهماء عن رجل من أهل البادية سمع رسول الله ﷺ يقول: "إنك لن تدع شيئًا لله ﷿ إلَّا بدلك الله به ما هو خير لك منه". وإسناده صحيح.
63

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي