الفوائد

الآخرة.

ولما فَزِعَ إليه فرعونُ عند معاينةِ الهلاكِ وإدراكِ الغَرَقِ لم يَنْفَعْهُ؛ لأنَّ الإيمان عند المعاينةِ لا يُقْبَلُ.

هذه سُنَّةُ الله في عبادِهِ؛ فما دُفِعَتْ شدائدُ الدُّنيا بمثل التوحيد، ولذلك كان دعاءُ الكَرْبِ بالتوحيد١، ودعوةُ ذي النونِ التي ما دعا بها مكروبٌ إلَّا فرَّج الله كَرْبَهُ بالتوحيد٢.

فلا يُلْقي في الكُرَب العظام إلا الشِّرْكُ، ولا يُنجي منها إلا التوحيدُ؛ فهو مفزَعُ الخليقةِ وملجؤُها وحِصْنُها وغِياثُها.

وبالله التوفيق.

فائدة

اللذةُ تابعةٌ للمحبَّةِ؛ تَقْوى بقوَّتِها، وتَضْعُفُ بضَعْفِها؛ فكلَّما كانت الرغبةُ في المحبوب والشوقُ إليه أقوى كانتِ اللَّذَّةُ بالوصول إليه أتمَّ.

والمحبةُ والشوقُ تابعٌ لمعرفتِهِ والعلم به؛ فكلَّما كان العلمُ به أتَمَّ؛ كانتْ محبتُهُ أكملَ.

فإذا رجع كمالُ النعيم في الآخرة وكمالُ اللَّذَّةِ إلى العلم والحُبِّ؛ فمَن كان بالله وأسمائِهِ وصفاتِهِ ودينهِ أعرف كان له أحبَّ، وكانت لذَّتُه

  1. (١) أخرجه البخاري (٦٣٤٥) ومسلم (٢٧٣٠) عن ابن عباس.
  2. (٢) أخرجه أحمد (١/ ١٧٠) والترمذي (٣٥٠٥) والطبراني في "الدعاء" (١٢٤) والحاكم (١/ ٥٠٥) عن سعد بن أبي وقاص، وله شواهد عن عدد من الصحابة، فالحديث صحيح بها.
73

بالوصول إليه ومجاورتِهِ والنظرِ إلى وجهِهِ وسماع كلامِهِ أتمَّ. وكلُّ لَذَّةٍ ونعيمٍ وسرورٍ وبهجةٍ بالإضافة إلى ذلك كقطرةٍ في بحرٍ.

فكيف يُؤْثِرُ منْ له عقلٌ لَذَّةً ضعيفةً قصيرةً مشوبةً بالآلام على لَذَّةٍ عظيمةٍ دائمةٍ أبدَ الآباد؟!

وكمالُ العبدِ بحسب هاتين القوتين: العلم والحبِّ، وأفضلُ العلم العلمُ بالله، وأعلى الحبِّ الحبُّ له، وأكملُ اللَّذَّةِ بحَسَبهما.

والله المستعان.

قاعدة

طالبُ اللَّهِ والدارِ الآخرة لا يستقيم له سَيرُه وطلبُه إلا بحَبْسَين: حبسُ قلبه في طلبه ومطلوبه، وحبسُهُ عن الالتفات إلى غيره. وحبسُ لسانه عما لا يُفيدُ، وحبسُهُ على ذِكْرِ الله وما يزيدُ في إيمانِهِ ومعرفتِهِ. وحبسُ جوارِحِه عن المعاصي والشهوات، وحبسُها على الواجبات والمندوبات. فلا يُفارِقُ الحبسَ حتى يَلْقى ربَّهُ، فيخلصُ من السجن إلى أوسع فضاءٍ وأطيبه.

ومتى لم يصبِر على هذين الحبسين وفرَّ منهما إلى فضاءِ الشهوات؛ أعْقبَهُ ذلك الحبسُ الفظيعُ عند خروجه من الدُّنيا.

فكلُّ خارجٍ من الدُّنيا: إما متخلِّصٌ من الحبس، وإما ذاهبٌ إلى الحبس.

وبالله التوفيق.

وَدَّع ابنُ عونٍ رجلًا فقال: عليك بتقوى الله؛ فإنَّ المتَّقي ليست عليه

74

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي