المنار المنيف

من أرضهم وبلادهم متى شاء، فإن أهل الذمة الذين يُقرون بالجزية لا يجوز إخراجهم من ديارهم ما داموا مُلتزمين لأحكام الذمة، فكيف إذا رُوعي جانبهم بإسقاط الجزية، وأُعفوا من الصّغَار الذي يلحقهم بأدائها، فأي صغَار بعد ذلك أعظم من نفيهم من بلادهم، وتشتيتهم في أرض الغُربة، فكيف يجتمع هذا وهذا؟!.

العاشر: أن هذا لو كان حقًّا؛ لما اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ، والتابعون، والفقهاء كلهم على خلافه، وليس في الصحابة رجل واحد قال: لا تجب الجزية على الخيبرية، ولا في التابعين، ولا في الفقهاء، بل قالوا: أهل خيبر، وغيرهم في الجزية سواء، [وعرّضوا]١ بهذا الكتاب المكذوب، وقد صرّحوا بأنه كذب، كما ذَكر ذلك الشيخ أبو حامد، والقاضي أبو الطيب، والقاضي أبو يعلى، وغيرهم.

وذكر الخطيب البغدادي هذا الكتاب، وبيّن أنه كَذب من عِدَّة وُجوه٢، وأُحضر هذا الكتاب بين يَدي شيخ الإسلام، وحَوله اليهود يَزفونه ويُجلونه، وقد غُشّي بالحرير والديباج، فلما فتحه وتأمله بَزَق عليه، وقال: هذا كذب من عِدّة أوجه، وذكرها. فقاموا من عنده بالذل والصغار.

  1. (١) في الأصل: "عرضوا"، والتصويب من نسخة المعلمي.
  2. (٢) انظر: طبقات الشافعية الكبرى (٣/ ١٤)، البداية والنهاية (١٢/ ١٠١ - ١٠٢)، وقال ابن كثير بعد أن أورد جواب الخطيب البغدادي: "وقد سُبق الخطيب إلى هذا النقد، سبقه محمد بن جرير، كما ذكرت ذلك في مصنف مفرد"، الإعلان بالتوبيخ (ص ١٠).
94

فصل في ذِكر جوامع وضوابط كُلّية في هذا الباب

فمنها: أحاديث الحَمَام -بالتخفيف- لا يَصح منها شيءٌ.

ومنها: حديث: "كان يُعجبه النظر إلى الحَمَام"١.

وحديث: "كان يُحب النّظَر إلى الخُضرة، والأُترج، والحمام الأحمر"٢.

وحديث: "شكا رَجلٌ إلى رسول الله ﷺ الوحدة، فقال له: لو اتخذت زوجًا من حمام فآنسك، وأصبت من فراخه"٣.

وحديث: "لا سَبق إلا في خُف، أو نَصل، أو حافر، أو جَناح"٤.

  1. (١) رواه ابن حبان في المجروحين (٢/ ١٢٢)، ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١٤٣)، وانظر: ما بعده، والفوائد المجموعة (ص ١٧٣).
  2. (٢) رواه العقيلي في الضعفاء (٤/ ٤١٣)، والحاكم، ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١٤٤ - ١٤٥)، وابن السني في الطب كما في اللآلئ المصنوعة (٢/ ٢٣٠)، والطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد (٤/ ٦٧)، وقال الهيثمي: "فيه أبو سفيان الأنماري وهو ضعيف"، وانظر: الفوائد المجموعة (ص ١٧٣).
  3. (٣) رواه ابن عدي في الكامل (٦/ ٢٤١٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ١٩٩)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٥/ ٢١٦)، ومن طريقهم ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١٤٦ - ١٤٧)، وقال: "هذه الأحاديث ليس فيها ما يصح"، ثم بين عللها، وانظر: الفوائد المجموعة (١٧٣).
  4. (٤) الفوائد المجموعة (ص ١٧٤). وقال الشوكاني: "وقد صرح الحفاظ أن زيادة: "أو جناح" وضعها غياث بن إبراهيم، في قصة وقعت له مع المهدي العباسي، وهي مشهورة. أما أصل الحديث: "لا سبق إلا في خف، أو نصل، أو حافر" =
95

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي