قول رابع: وهو أن المهدي هو محمد بن الحسن العَسكري١ المُنتظر، من ولد الحسين بن علي، لا من ولد الحسن، الحاضر في الأمصار، الغائب عن الأبصار، الذي يورث العصا، ويختم الفضا٢، دخل سِرداب سامِرّاء طِفلًا صغيرًا من أكثر من خمس مئة سنة، فلم تَره بَعدَ ذلك عَين، ولم يُحَسّ فيه بخبر [ولا]٣ أثر، وهم ينتظرونه كل يوم، ويقفون بالخيل على باب السّرداب، ويَصيحون به أن يَخرج إليهم: أُخرج يا مولانا، أخرج يا مولانا، ثم يرجعون بالخيبة والحرمان، فهذا دأبهم ودأبه، ولقد أحسن من قال:
ولقد أصبح هؤلاء عارًا على بني آدم، وضُحكة يَسخر منهم كل عاقل.
أما مهدي المغاربة: محمد بن تُومرت٤، فإنه رجلٌ كذابٌ ظالمٌ،
(١) محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي، آخر الأئمة الاثني عشر عند الإمامية، وهو المعروف عندهم بالمهدي، وصاحب الزمان، والمنتظر والحجة، وصاحب السرداب، ولد سنة (٢٥٥)، وتوفي أبوه وعمره خمس سنوات، وتزعم الشيعة أنه دخل السرداب في دار أبيه سنة (٢٦٥)، وعمره تسع سنين، وهم ينتظرون خروجه، ويرى بعض المؤرخين أن والده الحسن لبس له عقب. وفيات الأعيان (٤/ ١٧٦)، الأعلام (٦/ ٨٠).
(٢) لم يتبين لي المراد بقوله: "الذي يورث العصا، ويختم الفضا".
(٣) في الأصل: "إلا"، والتصويب من نسخة المعلمي.
(٤) المنعوت بالمهدي، ينتسب إلى الحسن بن علي، هلك سنة (٥٢٤)، له ترجمة مطولة في وفيات الأعيان (٥/ ٤٥ - ٥٥)، وانظر: الأعلام (٦/ ٢٢٨ - ٢٢٩).
متغلبٌ بالباطل، مَلك بالظلم والتغلُّب والتحيُّل، فقَتل النُّفوس، وأباح حريم المسلمين، وسَبى ذراريهم، وأخذ أموالهم، وكان شرًّا على الملّة من الحجاج بن يوسف بكثير، وكان يُودع بَطن الأرض في القبور جماعة من أصحابه أحياءً، ويأمرهم أن يقولوا للناس: إنه المهدي، الذي بشر به النبي ﷺ، ثم يَردم عليهم ليلًا؛ [لئلا]١ يُكذّبوه بعد ذلك، وسمّى أصحابه- الجهميّة نُفاة صفات الرب، وكلامه، وعُلوه على خلقه، واستوائه على عرشه، ورُؤية المؤمنين له بالأبصار يوم القيامة-: الموحّدين، واستباح قَتل من خالفهم من أهل العلم والإيمان، وتَسمَّى بالمهدي المعصوم.
ثم خرج المهدي الملحد: عُبيد الله بن مَيمون القدّاح٢، وكان جَدُّه يهوديًّا من بنت مجوسي، فانتسب بالكذب والزور إلى أهل البيت، وادعى أنه المهدي الذي بشر به النبي ﷺ، ومَلك وتغلّب، واستفحل له أمره، إلى أن استولت ذريته الملاحدة المنافقون الذين كانوا أعظم الناس عداوة لله ولرسوله، على بلاد المغرب، ومصر، والحجاز، والشام، واشتدت غُربة الإسلام ومحنته ومُصيبته، وكانوا يدّعون الإلهية، ويدّعون أن للشريعة باطنًا يخالف ظاهرها.
وهم ملوك القرامطة الباطنية أعداء الدين فتستّروا [بالرفض]٣ والانتساب إلى أهل البيت، ودانوا بدين أهل الإلحاد، ولم يزل أمرهم ظاهرًا إلى أن أنقذ الله الأمة، ونصر الإسلام بصلاح الدين يوسف بن