المنار المنيف

النبي ﷺ على الأمّة فيه، ومبالغته فيه حتى عِند وفاته وقَبْض نَفْسه الكريمة ﷺ، لم يمتنع أن يكون الصلاة التي استاك لها أحب إلى الله من سبعين صلاة.

وإذا كان ثواب السبعين أكثر، فلا يَلزم من كَثرة الثواب: أن يكون العمل الأكثر ثوابًا أحبّ إلى الله تعالى من العمل الذي هو أقل منه، بل قد يكون العمل الأقل أحب إلى الله تعالى، وإن كان الكثير أكثر ثوابًا.

وهذا كما في [المسند]١ عنه ﷺ أنه قال: "دَم عَفراء أحب إلى الله من دَم سوداوين". يَعني في الأضحية.

وكذلك كان ذَبح الشاة الواحدة يوم النَّحر أحب إلى الله من الصدقة بأضعاف أضعاف ثمنها، وإن كَثُر ثواب الصّدَقة.

وكذلك قِراءة سُورة بتدبّر ومَعرفة وتَفهُّم، وجَمع القلب عليها، أحب إلى الله تعالى من قِراءة خَتمة سَردًا وهذًّا، وإن كثر ثواب هذه القراءة.

وكذلك صلاة ركعتين يُقبل العبد فيهما على الله تعالى بقَلبه وجَوارحه، ويُفرّغ قَلبه كلّه لله تعالى فيهما، أحب إلى الله تعالى من مِئتي ركعة خَالية عن ذلك، وإن كَثُر ثوابها عددًا.

ومن هذا: "سَبق دِرهم [مائة ألف]٢ دِرهم"٣.

  1. (١) في الأصل: "السنن"، والحديث ليس في السنن، وإنما هو في مسند الإمام أحمد (٢/ ٤١٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٨): "وفيه أبو ثفال، قال البخاري: فيه نظر".
  2. (٢) في الأصل: "ثمانية آلاف"، والتصويب من مصادره.
  3. (٣) رواه النسائي في سننه (٢٥٢٦)، وابن خزيمة في صحيحه (٢٤٤٣)، وابن حبان كما في الإحسان (٣٣٤٧)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤١٦)، وقال: =
11

ولهذا قال الصحابة ﵃: "إنّ اقتصادًا في سَبيل وسُنّة، خَير من اجتهاد في خِلاف سَبيل وسُنّة"١.

فالعمل اليسير الموافق لمرضاة الربّ وسُنّة رسوله: أحب إلى الله تعالى من العمل الكثير، إذا خلا عن ذلك، أو عن بعضه.

ولهذا قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].

وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ٧﴾ [الكهف: ٧].

وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].

فهو ﷾ إنما خَلق السموات والأرض، والموت والحياة، وزَيّن الأرض بما عليها ليَبْلُوَ عِباده أيهم أحسن عملًا، لا أكثر عملًا.

و"الأحسن" هو: الأخلص والأصوب، وهو الموافق لمرضاته ومحبته، دُون الأكثر الخالي من ذلك، فهو ﷾ يُحب أن يُتعبّد له بالأرضى له، وإن كان قليلًا، دون الأكثر الذي لا يُرضيه، والأكثر الذي غيره أَرضى له منه.

ولهذا يكون العمَلان في الصورة واحدًا، وبينهما في الفضل -

  1. = "صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ولم يتعقبه الذهبي بشيء.
  2. (١) انظر: الزهد للإمام أحمد ص (١٩٦)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ٥٤).
12

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي