وقول من وَصَف كلامه بأنّه معنى واحد لا يَنقضي ولا يَتجزأ، ولا له بَعض ولا كل، ولا هو سُور وآيات، ولا حُروف وكلمات.
والمقصود أنّ في هذا التسبيح من صفات الكمال، ونُعوت الجلال ما يُوجب أن يكون أفضل من غيره، وأنه لو وَزن غيره لوَزن به، وزاد عليه.
وهذا بعض ما في هذه الكلمات من المعرفة بالله، والثناء عليه بالتنزيه والتعظيم، مع اقترانه بالحمد المتضمّن لثلاثة أصول:
أحدها: إثبات صفات الكمال له سبحانه، والثناء عليه.
والثاني: محبته والرضا به١.
فإذا انضاف هذا الحمد إلى التسبيح والتنزيه على أكمل الوجوه، وأعظمها قدرًا وأكثرها عددًا، وأجزلها وصفًا، واستحضر العبد ذلك عند التسبيح، وقام بقلبه معناه: كان له من المزيّة والفضل ما ليس لغيره، وبالله التوفيق.
(١) أشار المؤلف ﵀ إلى أنه سيذكر ثلاثة أصول، وليس في الأصل كما هو مثبت إلا أصلين، ولهذا فإن المعلمي ﵀ جعل قوله في الأصل الأول: (والثناء عليه) هو الأصل الثاني، والثالث: (محبته والرضا به)، وأما أَبو غدة ﵀ فقد جعل الأصل الثالث هو قوله: (فإذا انضاف هذا الحمد …).
فصل
وأما المسألة الثالثة، وهي: كَون "صِيام ثلاثة أيّام من كل شهر تَعدل صيام الشهر"١، فقد ذُكر في هذا الحديث سَببه، وهو أن الحسنة بعشر أمثالها٢، فهو يعدل صيام الشهر غير مُضاعف لثواب الحسنة بعشر أمثالها، فإذا صام ثلاثة أيام من كل شهر، وحافظ على ذلك، فكأنه صام الدّهر كله.
ونَظير هذا: قوله في الحديث الصحيح: "من صام رمضان، وأتبعه بستٍّ من شَوال، فكأنّما صام الدّهر"٣ فإن الحسنة بعشر أمثالها.
وفي كونها من شوال سِرّ لَطيف، وهو: أنها تَجري مجرى الجُبْران لرمضان، وتَقضي ما وقع فيه من التقصير في الصوم، فتجري مجرى سُنّة الصلاة بعدها، ومَجرى سجدتي السهو، ولهذا قال: "وأتبعه" أي ألحقه بها.
وقد استدلّ بهذا من يَستحبّ، أو يُجوّز صيام الدّهر كله، ما عدا العيدين وأيام التشريق، ولا حُجّة له، بل هو حُجّة عليه، فإنه لا يلزم من تشبيه العمل بالعمل إمكان وقوع المشبّه به فضلًا عن كونه مشروعًا.
ولهذا جُعل صيام ثلاثة أيام من الشّهر، وصيام رمضان، وإتباعه بستٍّ من شوال: يَعدل صيام ثلاثمائة وستين يومًا، وذلك حرامٌ غير جائزٍ